أربعة مبادئ للقيادة في عالم متقلب

قدم عام 2016 ما يكفي من الأدلة على إفراط القادة في الاعتماد على توقعات الخبراء والافتراضات المسبقة، وتبين خطؤها في مشاعر الاندهاش والفزع التي أعقبت نتائج استفتاء انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي وفوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية.

واعتبر البعض هذه الأحداث تعبيرًا عن انفصال النخب عما يجري في العالم الحقيقي، وصنفها آخرون ضمن أحداث “البجعة السوداء” التي حدد نسيم نقولا طالب ثلاثة خصائص فريدة تُميزها تشمل: الندرة أي الاختلاف البالغ عن الماضي القريب والتوقعات، والتأثير الكبير، وأخيرًا إمكانية تفسيرها ورصد العلامات الدالة عليها بأثر رجعي أو بعد وقوعها. وبالتأكيد هناك خلاف حول مدى التوافق بين أحداث العام الماضي وهذه الخصائص.

وبغض النظر عن اختلاف تقييم هذه الأحداث وما إذا كانت بداية لإصلاح العالم ودلالة على اتجاهٍ أفضل، أو العكس تمامًا، فمن المؤكد أن العام الجديد سيشهد المزيد من عدم اليقين والتقلب لأسباب؛ أولًا: تشابك الاقتصاد العالي وترابط العالم أكثر من ذي قبل بفضل الإعلام الاجتماعي وتوقعات بمستويات أعلى من الترابط تعتمد عليها تقنيات رئيسية مثل إنترنت الأشياء والذكاء الاصطناعي، وما يجلبه الترابط من تعقيدات وصعوبة تحديد أسباب الخطر ووسائل انتقاله. وثانيًا: التعقيد البالغ في الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية الحالية. وأخيرًا إغفال تسبب التحيزات المعرفية في تشويه تصوراتنا وقراراتنا. وفيما يلي أربعة مبادئ يُساعد تعلمها في التعامل مع حالة عدم اليقين على الصعيد العالمي:

أولًا: التمييز بين الخطر وعدم اليقين:

على الرغم من بديهية فكرة الخطر، إلا أنه من الصعب تعريفها. وتطور فهم البشر للخطر مع دراسة الاحتمالات في الرياضات خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. ويختلف الخطر عن عدم اليقين أو الشك؛ فالأول شك يُمكن قياسه وينطوي على احتمالات يُمكن اتخاذ القرارات استنادًا عليها، بينما لا يمكن قياس الثاني وتتوافر عنه معلومات غير دقيقة لا يُمكن تلخيصها في احتمالات. وهناك نوعان من عدم اليقين أولهما يعتمد على الصدفة المحضة، بينما ينشأ النوع الثاني من حاجة مشكلة إلى إصدار حكم لحلها. ومن الناحية العملية يُفيد التعامل مع الخطر وعدم اليقين كسلسلةٍ مُتصلة.

ثانيًا: فهم الخطأ البشري:

يميل البشر كثيرًا لإلقاء اللوم على الخطأ البشري واعتباره سبب الكثير من المصائب. وتحتاج القيادات إلى تعلم كيفية دراسة الأخطاء. وتُعبر نظرة القادة الجدد مثل ترامب إلى أداء سابقيهم عن رؤيتهم للقيادة المتجاوبة والمسؤولة، ولا يضمن لوم الرئيس الجديد، أيًا كان اسمه، لسابقه على الإخفاقات الأخيرة مستقبلًا أفضل على المدى القريب.

ويرى خبير السلامة سيدني ديكر أن النظرة إلى الخطأ البشري تتفاوت بين من يرونه سببًا للحادث أو عرضًا لمشكلة أعمق. ويعتقد أن فهم الفشل يستوجب أولًا فهم ردود أفعال المرء عليه. كما يلعب فهم الخطأ البشري دورًا بالغ الأهمية في تجنب التحيز للمعرفة المتأخرة عند اتخاذ القرارات المستقبلية.

ثالثًا: فهم أضرار الإدراك بأثرٍ رجعي:

بينما لا يُجيد البشر كثيرًا منع الكوارث العالمية، تبدو أسبابها جلية بعد التفكير فيها. ويُعد الإدراك المتأخر من أهم مشكلات التحيز المعرفي الذي يُؤثر على اتخاذ القرارات وخصوصًا مع تصاعد حالة عدم اليقين بشأن المستقبل. وسيُشكل تفسير القادة لأحدث الإخفاقات استراتيجيتهم للمستقبل.

وفي دراسة حوادث الطيران لاحظ ديرك أربع سمات مشتركة لردود الفعل على الفشل السابق هي: الارتباط بالماضي، ومخالفة الواقع بتناول ما كان ينبغي فعله لتجنب الحادث، وتقديم انتقادات، والتركيز على العناصر الأقرب زمانًا ومكانًا للحادث أو لمنعه.

لكن لهذه المعرفة المتأخرة أضرارها، وقد تُحوّل حدثًا صعبًا ومعقدًا إلى آخر بسيط يتطلب إجابة بالموافقة أو الرفض فقط، وتطمس الفارق بين ما يُفهم الآن عن الحدث وكيف رأته الأطراف المعنية حين وقوعه، وبالتالي تضعف مقاومة الصدمات المماثلة في المستقبل.

وهناك أخطاء في التحليل ترتبط بالتحيز للإدراك المتأخر منها: الاعتقاد بوجود نتيجة حتمية للأحداث والتقليل من أهمية الشك السائد حينها، ورؤية الأحداث كسلسلة ترتبط مباشرةً ببعضها البعض، والتبسيط الزائد، والتركيز على وجهات النظر الخاصة وتجاهل الرؤى المخالفة، والبحث عن التوافق على حساب البحث الدقيق، وتحيز التأكيد بمنح أهمية زائدة للأدلة التي تؤكد وجهات النظر المفضلة والاستهانة بغيرها من الأدلة.

رابعًا: التمييز بين التحديات المعتادة والمتغيرة:

تُواجه القيادة نوعين من التحديات؛ المعتاد الذي يتضح فيه تعريف المشكلة والحل والتنفيذ في مُقابل تحد مُتكيف يتطلب تعلمًا وحلولًا جديدة، ويتطلب من المؤسسات الاستفادة من الذكاء الجماعي وابتكار حلول جديدة دون الاكتفاء بالبحث في المقترحات المعروفة.

وفي ضوء التحولات التي يشهدها العالم الحالي مُتعدد الأقطاب سيشهد الكثير من التحديات المتغيرة كتغير المناخ والأمن الإلكتروني التي تزيد القلق بشأن المستقبل. وسيحتاج القادة، في غياب نماذج أو فرضيات أصلية، إلى تعلم وسائل جديدة والانخراط في التجريب.

وسيُساعد تعلم المبادئ الأربعة في إرشاد القرارات الجديدة لمواجهة التقلب العالمي، دون أن يكون الهدف منها التنبؤ بالمستقبل؛ فمن المستحيل تقريبًا الوصول إلى تنبؤات سياسية دقيقة على المدى الطويل، وتعتمد فرص نجاحها على المصادفة المحضة. وتزيد احتمالات الدقة لدى المحللين المهتمين بمراجعة أفكارهم ونقدها وتجنب الاستدلالات البسيطة.

الصورة