أربعة مفاهيم خاطئة عن التحول الرقمي الجذري

لا تخلو نقاشات القيادات العليا ونتائج الأبحاث ونصائح المستشارين من حديث حول التغيرات الجذرية الحاصلة بفعل التكنولوجيا الرقمية واتساع تأثيرها لمختلف المجالات وحاجة الجميع للتحرك السريع. وبينما لا يخلو ذلك كله من الصواب، إلا أن بعض من أكثر الاعتقادات شيوعًا عن التحولات الجذرية الرقمية أو Digital Disruption يشوبها مبالغة في التبسيط وأخطاء في الفهم والتطبيق كما تُوضح السطور التالية:

أولًا: تأثير الشبكة:

في العالم الرقمي تشيع فكرة استحواذ الفائز على كل شيء. وتتسم الكثير من النماذج التجارية المدفوعة بالتكنولوجيا الرقمية بخصائص الشبكة، ويُعتقًد أن الشبكة الأكبر حجمًا ستفوز وحدها وتقضي على المنافسين، وأنه كلما زاد اشتراك المستخدمين ومزودي المحتوى كلما زاد نجاحها.

وتتضح الفكرة مع موقع “فيسبوك” الذي يُقبِل عليه المستخدمون بسبب استخدام أغلب أصدقائهم وعائلاتهم له، ما يسمح للموقع بجمع الكثير من البيانات حول التفضيلات الشخصية وجذب المعلنين وزيادة الأرباح والإطاحة بمنافسيه مثل “جوجل بلس” و”ماي سبيس”.

ويُفسر هذا المبدأ حاجة شركة مثل “أوبر” للنمو الكبير والسريع، ويُبرر عدم قلق المستثمرين من خسارة أموالهم مبكرًا، وهو ما يحدث بالفعل؛ إذ بلغت خسائر “أوبر” 1.27 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2016.

وفي بعض الأحيان فقط يكون هذا المنطق صائبًا؛ فنادرًا ما تكون الشبكات حصرية، ومثلًا لا يقتصر كثيرون على تطبيق واحد لطلب السيارات ويستخدمون بدائل مختلفة يختارون منها الأسرع والأقل سعرًا. وبالتالي من الخطأ الاعتقاد أن تأثيرات الشبكة ستقود دائمًا إلى سيطرة الفائز على السوق؛ فتسمح بعض أنواع الشبكات بعمل لاعبين متعددين جنبًا إلى جنب.

ثانيًا: المُكملات مقابل البدائل:

يتمثل المفهوم الخاطئ الثاني في الاعتقاد بضرورة أن تحل التكنولوجيا الجديدة مكانة القديمة وتُفقدها قيمتها تمامًا. وبالتأكيد هناك أمثلة على هذه الفكرة مثل البريد الإلكتروني وأجهزة الفاكس و”ويكيبيديا” و”الموسوعة البريطانية”، لكنها تُشكل الاستثناء وليس القاعدة في العالم الرقمي.

وفي مجال التعليم العالي بشَّر كثيرون بقضاء التعليم عبر الإنترنت على المحاضرات، واستبدال الجامعات التقليدية بأخرى على الإنترنت، وتحول “الدورات التعليمية المفتوحة واسعة النطاق على الإنترنت” إلى الوسيلة الرئيسية للتعلم. لكن أيًا من ذلك لم يحدث.

وفي الواقع تتسم نماذج الأعمال والميزات التنافسية بقدرٍ كبير من التعقيد، وتتألف من عناصر بعضها واضح وملموس والبعض الآخر غير ملموس، وتعتمد قيمتها على تفاعل هذه العناصر معًا. وفي الكثير من الأسواق سيُضيف التحول الرقمي عنصرًا جديدًا إلى المزيج أو يستبدل أحد العناصر دون أن يستبدلها جميعًا طيلة الوقت، أي ستُكمِل التكنولوجيا الرقمية الموارد والقدرات القائمة وتُغيرها دون أن تنهي وجودها كليًا، وبالتالي عند وضع الاستراتيجيات ينبغي البحث في العناصر المكملة وليس افتراض الإحلال التام دائمًا.

التحول الرقمي

يتباين تأثير التحول الرقمي من مجالٍ إلى آخر وينبغي الالتفات لهذه الفروق الدقيقة عند التخطيط للتكيف مع متغيرات العالم الرقمي

ثالثًا: أهمية القرب الجغرافي:

يفترض كثيرون أن المسافات الجغرافية فقدت أهميتها؛ نظرًا لما يُتيحه العصر الرقمي من تواصل فوري بين الأشخاص في مختلف أنحاء العالم. لكن لا يزال للقرب الجغرافي أهميته حتى إذا لم يُدرك البشر ذلك. ومثلًا على مدار عقود استقر مجال الاستشارات الإدارية، وواصلت الشركات عملها بنفس الأسلوب بالتوفيق بين المستشارين المدربين والمشروعات التي تحتاج إلى استشارات.

واستلهمت بعض الشركات من العصر الرقمي أساليب جديدة للتوفيق بين المستشارين والعملاء عبر الإنترنت بالاعتماد على كلمات البحث أو قواعد بيانات، وطوَّر بعضها منصات رقمية للتوفيق بين العرض والطلب، وقواعد بيانات تتضمن مستشارين مستقلين ومشروعات. لكن معظم هذه الأفكار لم تتمكن من التوسع بسبب استهانتها بأهمية التفاعلات البشرية.

وفي العمل الاستشاري تستحوذ القدرة على قراءة مشاعر الآخرين ونواياهم وشخصياتهم على أهمية بالغة سواءً فيما يتعلق بالعمل الاستشاري أو بالمواءمة بين المستشارين والعملاء. وأدركت شركة “إيدن ماكلوم” Eden McCallum ذلك جيدًا، وبنت عملها على أساس الاستعانة بمستشارين يعملون بشكلٍ مستقل، لكن بدلًا من تكوين قواعد بيانات ومنصات رقمية تجنبت التركيز على التكنولوجيا الرقمية لصالح أسلوب تقليدي وهو العلاقات المباشرة.

وألفت فريقًا من عشرين شريكًا يتواصلون بانتظام مع 700 مستشار وما يزيد عن 300 من العملاء الرئيسيين، وافتتحت فروعًا في لندن وأمستردام وزيوريخ. وباتت الشركة مثالًا على التحول الجذري لمجال الاستشارات استنادًا على نموذج تجاري غير رقمي.

وتُظهِر تجربتها أنه ليس من الضروري أن تكون جميع التحولات رقمية. ومن المُرجح أن يزيد تأثير التكنولوجيا الرقمية في بعض القطاعات التي لا يتمتع التواصل الإنساني المُباشر فيها بقيمة كبيرة.

رابعًا: السرعة:

تتكرر الإشارة إلى السرعة ضمن السمات المميِّزة للعصر الرقمي. ونظرًا لتغير العالم بسرعة، يتعين على المؤسسات التغير بسرعة مُساوية. وفي الواقع فإن تغير العالم بمعدل أسرع من ذي قبل فكرة مشكوك في صحتها، وخلصت أبحاث أكاديمية إلى أن وتيرة التغيير لم تتزايد أبدًا. أما فيما يخص مواكبة سرعة تغير العالم ففي بعض الأحيان تأتي السرعة بنتائج عكسية، ويكون من الأفضل التأني في التعامل مع التغيير.

وفي وسط قطاعات تشهد تغيرات سريعة، قد يؤدي التحرك بسرعةٍ مُماثلة إلى اتباع صرعات سرعان ما تنتهي. وهو ما حدث مع مصرف “أي إن جي” ING الهولندي الذي لمس الاهتمام بمنصة “سكند لايف” للحياة الافتراضية، وخصص فريقًا كبيرًا لاستكشاف التكنولوجيا الجديدة وتطوير تطبيقات والترويج للمنتجات، لكن تراجع الاهتمام بعالم “سكند لايف” الافتراضي بعد فترة دون أن يجني المصرف ثمار استثماره الكبير.

وعند التعامل مع التغييرات وسط أجواء من عدم اليقين أحيانًا يكون من الأفضل عدم التغيير، أو على الأقل تجنب التغيير الفوري والانتظار بعض الوقت حتى تتبين مآلات الأمور. وبالنسبة للمجالات التي تشهد ظهورًا سريعًا للتقنيات واختفاءها تحتاج المؤسسات للإبطاء وليس السرعة، وبذلك ستتمكن من التمييز بين الصرعات المؤقتة والتحولات الجوهرية.

وعمومًا تُغير التكنولوجيا الرقمية الميزات التنافسية المعتادة في الكثير من القطاعات، تمامًا مثلما فعلت التطورات التكنولوجية الرئيسية السابقة. لكن تأثيرها يختلف حجمًا وكيفًا من مجال إلى آخر. وينبغي إدراك هذه الفروق الدقيقة لتخطيط استراتيجي ناجح.

المصدر

الصور: 1 2

إضافة تعليق على المقاله