أربع استراتيجيات لترسيخ ثقافة الابتكار

تتميز أنجح المؤسسات في الابتكار بثقافة تدعم الابتكار مثل “جوجل” و”جنرال إلكتريك” التي حافظت على ثقافة الابتكار منذ تأسيسها عام 1892 لتُواكب التغيرات المتلاحقة في التكنولوجيا.

ولا يتطلب ترسيخ ثقافة الابتكار ضبط معادلات مُعقدة، بل يعتمد على آلية بسيطة: تتشكل خبرات الموظفين من خلال القرارات والسلوكيات الواعية وغير الواعية للقادة، وتبني هذه الخيرات افتراضاتهم عن السلوكيات المرغوبة ونقيضها، ولذلك إذا رغبت المؤسسات في تغيير سلوكيات موظفيها عليها دعم تجارب وخبرات مختلفة لتغيير افتراضاتهم بدلًا من نقض أفكارهم مباشرةً. ويتم ذلك من خلال أربع استراتيجيات:

أولًا: الخبرات الرمزية:

كانت “زيبكار” Zipcar واحدة من أوائل خدمات تقاسم السيارات، وأسست للاقتصاد التشاركي في الولايات المتحدة الأمريكية ما مهد الطريق أمام غيرها مثل “أوبر” و”إير بي إن بي”. لكن تعين على نموذج عملها المُبتَكر في نهاية المطاف التعامل مع التكنولوجيا الجديدة.

واكتشفت الشركة أنها صممت تجربة العملاء على أساس الحواسيب المكتبية والمحمولة وحدها دون توفير وسيلة لتقديم الخدمة عبر الهواتف الذكية. واحتاجت مواكبة التغيير من “زيبكار” تحويلًا لطريقة موظفيها في التفكير سريعًا، وكان من أول وأنجع ما قامت به الشركة وضع موظفيها في غمار تجربة مدهشة تحولت إلى رمز لتوجهها الجديد نحو المحمول.

ودُعي الموظفين إلى اجتماع شرحت فيه القيادات اهتمام الشركة بتجربة العملاء عبر الأجهزة المحمولة، ومن أجل ترسيخ الفكرة أُعطي الموظفين مطارق لتوجيهها إلى حاسبين مكتبيين قديمين. ووفر تحطيم الحواسيب القديمة وإبراز الأجهزة المحمولة من الناحيتين الحرفية والمجازية تجربةً مُؤثرة صارت رمزًا لما تسعى إليه “زيبكار” في المستقبل. وتُقدم التجربة مثالًا على دور التصميم الواعي للتجارب في ترسيخ ثقافة المؤسسة.

شركة "زيبكار" Zipcar

قدمت شركة “زيبكار” لموظفيها تجربةً مؤثرة باستخدام المطارق لتحطيم حواسيب مكتبية قديمة كدلالة رمزية على توجهها الجديد نحو منصات المحمول

ثانيًا: رؤية واضحة للمستهلكين:

بالإضافة إلى تجربة المطرقة، أتاحت “زيبكار” لموظفيها لقاءً مباشرًا بجيلٍ جديد من العملاء المستهدفين الذين ينتمون إلى جيل الألفية من أجل تقريبهم من واقعهم واحتياجاتهم. ونظمت موائد مستديرة في أيام السبت تستضيف مستهلكين يُشاركون تجاربهم ورغباتهم ويُقدمون ملاحظاتهم مباشرةً إلى الموظفين. ويُحفز هذا النوع من التفاعلات التركيز على تلبية احتياجات المستهلكين.

وبطبيعة الحال لا يتوجب على جميع الشركات، ولا تستطيع، عقد لقاءات مباشرة مع المستهلكين كي تُساعد موظفيها على الاقتراب منهم. ومثلًا تعرض شركة “سبيسيفر” Spacesaver المتخصصة في أدوات التخزين والأرفف للمكتبات والمتاحف في منشآت التصنيع ملصقات ضخمة لعملاءها من المكتبات والمتاحف، وبذلك تُذكر العمال يوميًا بقيمة ما يقومون به مثل نظام التخزين المستخدم في “المتحف الميداني للتاريخ الطبيعي” في شيكاغو ويعرض عظام ديناصور يستمتع بها آلاف الزوار في كل عام.

ويُقلص حصول الموظفين على رؤيةٍ واضحة للمستهلكين واحتياجاتهم الفجوة بين ثمار الابتكار المُشجعة من جانب والخطوات اليومية اللازمة لبلوغها من جانبٍ آخر.

ثالثًا: تقديم مكافآت بسيطة:

ليس من الضروري أن تُنفق المؤسسات أموالًا طائلة من أجل ترسيخ ثقافة الابتكار بين موظفيها؛ وفي الواقع تُكلف بعض من أكثر المكافآت قيمة القليل جدًا من الناحية المالية. ومثلًا تُحاول شركة “هاير” Haier الصينية، التي تُعد أكبر منتجي الأجهزة المنزلية في العالم، تعزيز ثقافة الابتكار المُتواصل. ولذلك تُطلق أسماء الموظفين، أو من تسميهم الصُناع، على الابتكارات الجديدة التي يتوصلون إليها.

وصممت محطة KQED للإذاعة والتلفزيون في مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية جائزة لتشجيع الابتكارات الكبيرة والصغيرة التي تظهر على مدار العام، وهي عبارة عن كأس يعلوه حرف “كيو”. وتُكافئ سلسلة فنادق “ويستن” Westin موظفيها المبدعين في كل ثلاثة أشهر برحلة ترفيهية لخمسة أيام. وبالإضافة إلى القيمة المالية، تُؤكد المكافأة على أهمية التجربة التي يخوضها العملاء؛ إذ تُقدم نفس التجربة للموظفين الأكثر إسهامًا في تحسينها.

وبينما تُقدِر أغلب المؤسسات الأعمال ذات الصلة بالتكنولوجيا وابتكار المنتجات، فمن الأفضل تقدير جميع الإسهامات المُفيدة بغض النظر عن نوع الابتكار سواءً كان في قسم الموارد البشرية أو التصنيع، الأمر الذي يُؤكد قيمة الإبداع في مختلف القطاعات المسؤولة عن نموذج التشغيل الأوسع، ويُشجع الجميع على الابتكار في تخصصاتهم.

وتتخطى أهم المكافآت الحوافز المالية، وتستفيد مما يُلهِم العاملين للابتكار، وهي حوافز أكثر عمقًا مثل الشعور بالانتماء والمساهمة والقدرة على إحداث فارق، ويُمكنها الانتشار عبر المؤسسات وتغيير ثقافتها إلى الأفضل.

رابعًا: تطوير المواهب البشرية:

يُعتبر الاستثمار في التطوير الشخصي للموظفين أحد أهم وسائل الاعتراف بجهودهم. وفي حين تُوفر الكثير من المؤسسات التدريب لموظفيها، فإن القليل منها يربط بوضوح بين التطوير المهني والنمو الاستراتيجي للعمل وثقافة الابتكار.

ومن هذه المؤسسات “إن بي سي يونيفرسال” NBCUniversal المعروفة بشبكاتها التلفزيونية وإنتاج الرسوم المتحركة ومراكز الترفيه. وتُواجه تغيرات هائلة وسريعة في مجاليّ الإعلام والترفيه. ويُقدم “مختبر المواهب” في الشركة برامج مُوجهة للقيادات البارزة المسؤولة عن تشكيل ثقافة الشركة واستراتيجيتها.

ولا تتضمن البرامج نماذج دراسية أكاديمية، وإنما  تُركز على الأشخاص الواعدين الذي يلعبون دورًا كبيرًا في التغيير ونشر ثقافة العمل. ومثلًا يضم برنامج “درايف” DRIVE على مدار ستة أشهر خمسة وعشرين من أهم المديرين التنفيذيين في مختلف القطاعات.

ويجري تقسيم المجموعة إلى خمسة فرق تختص كلٌ منها بأحد التحديات التي تُواجه الشركة وتتطلب تغييرًا في نموذج التجاري وتخصصها بأكمله، ويزور المشاركون حاضنة تتبع الشركة الأم “كومكاست” Comcast في وادي السيليكون، ويتبادلون الملاحظات والتوصيات مع الإدارة، وخلال ذلك يكتسبون أساليب جديدة للتفكير واستراتيجيات يستخدمونها في تسيير عملهم اليومي. وتجمع النتيجة النهائية بين فرصٍ حقيقية لتغيير مجالات العمل وكفاءات بشرية تعود لعملها بوجهات نظر تُركز على الابتكار والنمو.

ويستند “مختبر المواهب” على الإقرار بدور التعلم التجريبي العميق في بث روح الابتكار في رؤية المشاركين لوظائفهم، وفي أساليبهم للقيادة ما يُساعدهم على التعاون في تشكيل مستقبل الشركة وثقافتها ومجال عملها.

ولا يعني تعدد استراتيجيات تعزيز ثقافة الابتكار حاجتها إلى سنوات للتنفيذ واستثمار الكثير من المال؛ بل تتطلب أساسًا تحديد الأفكار التي تقود إلى النتائج المرجوة، ومن ثم توفير تجارب ملائمة ومتسقة للعاملين تُرسخ لديهم الأفكار الجديدة، وسيتبعها تغير السلوكيات وتأسيس ثقافة داعمة للابتكار.

المصدر

الصور: 1 2