أفكار من أربع قارات لمساعدة المكفوفين على التجول في المدن

يُمثل التجول في المدن المزدحمة تحديًا للجميع، وتزداد صعوبته بالنسبة للمكفوفين وضعاف البصر. ولمواجهة المشكلة، تلجأ المدن إلى حلول مختلفة منها تطبيقات الهواتف الذكية والخرائط ثلاثية الأبعاد والأجهزة القابلة للارتداء، وتُؤكد بعضها على أهمية توفير نظام جيد وناجح للمواصلات العامة. وعرض تقرير لموقع “سيتي سكوب” أربعة حلول لمساعدة المكفوفين على التنقل في المدن، تعود إلى أربع مدن في قارات مختلفة تشمل: أوروبا، وآسيا، وأفريقيا، وأمريكا الشمالية.

مدينة وارسو في بولندا: منارت تُرشد المكفوفين إلى وجهاتهم

يستعين المكفوفون وضعاف البصر بتطبيقات الهواتف الذكية وميزات تحديد المواقع الجغرافية “جي بي إس” للتنقل داخل المدن، لكن “النظام العالمي لتحديد المواقع الجغرافية” لا يُمكنه بيان الموضع الدقيق الذي تتوقف فيه الحافلة، كما لا تعمل إشاراته داخل المباني. وبالتالي يُواجه المكفوفون صعوبة في العثور على مقاصدهم داخل أماكن مثل مكاتب الخدمات البلدية ومجالس المدن وسط العدد الكبير من مكاتب المعلومات وصفوف الانتظار.

وتسعى العاصمة البولندية وارسو لتغيير ذلك بالتعاون مع شركة “إفينتي” Ifinity البولندية الناشئة. وتضع المدينة منارات Beacons صغيرة في محطات الحافلات وداخل مكاتب الخدمات البلدية وحول المباني العامة وداخلها. وتُرسل هذه المنارات إشارات بموقعها إلى تطبيق مُصاحب للهواتف الذكية، ويسمح ذلك بإخطار المستخدم برقمه في صف الانتظار، واهتزاز الهاتف عند اقتراب محطته المقصودة أثناء ركوب الحافلات.

وفي عام 2014 نفذت وارسو مرحلة تجريبية من المشروع، وحلت المدينة خلال العام نفسه ضمن المراكز الخمس الأولى في منافسة “مؤسسة بلومبرج الخيرية” لرؤساء المدن Bloomberg Philanthropies Mayors Challenge، وفازت وارسو، التي يسكنها نحو 1.7 مليون شخص، بمليون يورو لنشر نظام المنارات على نطاقٍ أوسع.

وتعتقد المدينة أن فوائد نظام المنارات لا تقتصر على المكفوفين فقط، بل تمتد أيضًا إلى مساعدة السائحين في الوصول إلى وجهتهم المقصودة، وتوفير معلومات عن المسارح ودور عرض الأفلام، كما تُيسر للمتاجر إرسال قسائم البيع إلى المستهلكين. وحصلت وارسو على تمويل من الاتحاد الأوروبي لتوسيع المشروع، وستضع خلال الأعوام الثلاث المُقبلة مليون منارة.

وفي ظل تزايد الاستعانة بتكنولوجيا المنارات لأغراض مختلفة، يُؤكد الرئيس التنفيذي للتسويق في شركة “إفينتي”، كريستيان شيشلاك، على أهمية تطبيق الهواتف الذكية. وعلى سبيل المثال تضمن الإصدار الأول من التطبيق إرشاد المستخدمين للاتجاهات بإخبارهم للتحرك إلى الأمام والخلف واليمين واليسار، بينما أظهر اختبار التطبيق مع المستخدمين أن تقديم الإرشادات كحركة عقارب الساعة مثل التحرك إلى الساعة الثالثة أكثر جدوى.

ويسمح التطبيق للمستخدمين بالاختيار من خلال التمرير إلى يمين ويسار الشاشة دون أزرار يتوجب الضغط عليها. وقال شيشلاك: “إنها الكثير من الأشياء الصغيرة التي تجعل من أحد التطبيقات قابلًا للاستخدام، وآخر لا يُمكن استخدامه”.

لكن بعض المكفوفين يفضلون وسائل أخرى، ومنهم رافال كانرك أحد أعضاء “الرابطة البولندية للمكفوفين”. وقال أنه لا يُفضل الاستماع للتوجيهات الصوتية لتطبيقات الهواتف الذكية وأدوات تحديد المواقع الجغرافية، ويعتمد على تطبيقات يتعرف منها على مواعيد وسائل المواصلات إلى وجهته قبل الخروج. وقال كانرك: “لا شيء يحل مكانة البشر”، وأضاف أنه على الرغم من تقديره للاختراعات الجديدة والتكنولوجيات العصرية فينبغي للمرء الاستعانة بالحس السليم عند استخدامها.

اليابان: خرائط ثلاثية الأبعاد للمكفوفين

اعتمد المكفوفون وضعاف البصر لفترة طويلة على طريقة “برايل” لقراءة النصوص من خلال لمس النقاط البارزة على الأوراق، ويُمكن لطابعات خاصة إنتاج خرائط وأِشكال بارزة بالطريقة نفسها. وفي الوقت الراهن تفتح الطباعة ثلاثية الأبعاد آفاقًا جديدة لمساعدة المكوفين، وتُتيح صنع أشكال ونماذج مجسمة من خلال تراكم طبقات مواد مثل الراتنج أو البلاستيك فوق بعضها البعض.

وفي عام 2014 أصدرت “هيئة المعلومات الجغرافية المكانية” Geospatial Information Authority في اليابان برنامجًا لتحويل بياناتها إلى خرائط ثلاثية الأبعاد لأي موقع في البلاد، وتُبرز الخرائط الطرق والسكك الحديدية ومسارات المشي بارتفاع مليمتر تقريبًا.

ويُمثل كل سنتيمر على الخريطة خمسة وعشرين مترًا في الواقع في الأماكن الحضرية، ويُمكن لضعاف البصر والمكفوفين طباعة خريطة لضاحية أو حي مُحدد لتكوين صورة ذهنية عن المكان قبل التوجه إليه.

خرائط ثلاثية الأبعاد لمساعدة المكفوفين في اليابان

أصدرت “هيئة المعلومات الجغرافية المكانية” في اليابان برنامج لطبع الخرائط ثلاثية الأبعاد لمساعدة المكفوفين على التنقل في المدن

وتتصور “هيئة المعلومات الجغرافية المكانية” تطبيقات أخرى للبيانات وبرنامج طباعة الخرائط ثلاثية الأبعاد تتجاوز مساعدة المكفوفين كالاستفادة منها في التعليم، والتدريب على الوقاية من الكوارث في بلدٍ كاليابان يُعرف بتعرضه المستمر للزلازل.

لكن ربما لا يكون حصول المستهلكين على هذه التكنولوجيا بالأمر اليسير حتى في ظل تراجع تكلفة الطابعات ثلاثية الأبعاد المُخصصة للاستخدام المنزلي، وقد تتجاوز تكلفتها حاليًا 600 دولار، كما يصل سعر المواد المطلوبة لطباعة خريطة ثلاثية الأبعاد بمساحة ست بوصات مربعة أي ما يُعادل 15.2 سنتيمتر مربع إلى 150 ين أي نحو 1.2 دولار.

ولم يتبين حتى الآن مدى انتشار الاعتماد على خرائط ثلاثية الأبعاد بين المكوفين وضعاف البصر. وتقول “هيئة المعلومات الجغرافية المكانية” أنها تتعاون مع الجامعات والمنظمات المعنية بالمكوفين لاختبار برنامجها وتحسين كفاءته.

نيجيريا: أدلة إرشادية بالموجات فوق الصوتية

يُعد اكتشاف العقبات وتجنبها أثناء السير أحد التحديات التي تُواجه المكوفين، وغالبًا ما يلجأون إلى الاستعانة بغيرهم من المشاة واستخدام العصا البيضاء أو الكلاب المُدربة. ويُطور فريق من الباحثين في نيجيريا جهازًا إلكترونيًا بُمكن ارتداؤه، ويأملون في تقديمه مساعدة أفضل.

وطور مهندسون وباحثون في المجال الطبي في “جامعة أوبافمي أولوو” Obafemi Awolowo في مدينة إلي-إفي Ile-Ife جهازًا يتألف من جزئين؛ يُوجد الجزء الأول في حذاء المستخدم، ويعتمد على بطارية صغيرة بطاقة 9 فولت، بينما يتألف الجزء الثاني من سماعة للأذن. ونشر الباحثون دراستهم في “دورية التكنولوجيا والإعاقة” في عام 2013.

وتُرسل وحدة القدم وتستقبل إشارات الموجات فوقة الصوتية، تُحولها سماعة الأذن إلى صوت صافرة يتزايد ارتفاعها كلما ازداد اقتراب المستخدم من إحدى العقبات. ويقول فريق البحث أن فوائد الجهاز تتجاوز عيوب الخيارات المتاحة حاليًا؛ إذا يُمكن لعصا السير رصد العقبات التي تصل إليها فقط، كما يشغل التحكم في زمام الكلب إحدى اليدين، وربما لا تكتشف الأجهزة الأخرى القابلة للارتداء العقبات منخفضة الارتفاع.

وحتى الآن لم تتضح القيمة التجارية للجهاز. واعترف الباحث الرئيسي في المشروع، أبيمبولا جوبريل، بالحاجة لتحسين الجهاز لرصد الارتفاعات والانخفاضات المفاجئة والحفر والدرج. وعلاوة على ذلك، تتجاوز تكلفته البالغة 150 دولار إمكانات الأشخاص العاديين في نيجيريا. وقال جوبريل أن الفريق اختبر استخدام الجهاز في مدرسة للمكفوفين في مدينة لاجوس، وأضاف: “لم نتمكن من تسويقه، لكننا نعمل على إضافة ميزات أخرى”.

مدينة دنفر الأمريكية: نظام للنقل العام مُلائم للجميع

لا يُمكن إنكار الأهمية الكبيرة لمختلف التطورات التكنولوجية، ومع ذلك يظل من بين أهم ما تُقدمه المدن لمساعدة المكفوفين على التنقل استثمارها في توفير شبكة قوية ويُمكن الاعتماد عليها للمواصلات العامة، وهو ما بدأت في تنفيذه مدينة دنفر في ولاية كولورادو الأمريكية قبل أكثر من عشرة أعوام.

وفي عام 2004 صوت الناخبون في دنفر، التي تعتمد أساسًا على النقل بواسطة السيارات، بالموفقة على إنشاء نظام موسع للنقل بميزانية 4.7 مليار دولار، وأسهم في تمويله زيادة ضرائب المبيعات. ويشمل نظام “فاس تراكس” FasTracks خطوطًا للسكك الحديدية، وأخرى للقطارات الخفيفة، وحافلات سريعة، ومساحات لانتظار السيارات بالقرب من محطات الحافلات والقطارات الخفيفة.

القطارات الخفيفة في دنفر

ترى مدينة دنفر أن توفير شبكة قوية ومنظمة للمواصلات العامة تساعد المكفوفين وغيرهم على التنقل بحرية واستقلالية

وقالت كلوديا فولسكا، وهي عضو في مجلس إدارة المنطقة الإقليمية للنقل في دنفر وواحدة من المكوفين في المدينة، أن توفير جداول مواعيد النقل موثوقة يُعد ضرورة في تخطيط الكفيف لوجهاته. وقالت أنها تعرف جميع الأماكن التي ستذهب إليها خلال اليوم، وكيفية مغادرتها، وتُنظم مواعيد لمشاركة زملائها سياراتهم وصولًا إلى خطوط القطارات الخفيفة التي لا تسلم من مشكلة ازدحام المرور.

وأطلقت هيئة النقل في دنفر منذ عام 2003 برنامجًا مجانيًا لتدريب كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة على التنقل بشكلٍ مستقل بواسطة شبكة المواصلات العامة في المدينة. ووفرت دنفر في عام 2013 أداة آلية في الحافلات لإخطار الركاب بالمحطة التالية بناءً على تتبع المواقع الجغرافية في الوقت الحقيقي.

وقالت فولسكا أن المجهود الذي تبذله مدينة ما لاستيعاب الأشخاص فاقدي البصر يعود بالنفع على الجميع، ويجعل من نظام المواصلات العامة أكثر أمنًا وثباتًا ويُمكن الاعتماد عليه وتوقع ما يقدمه على نحوٍ أفضل، ويُتيح لكل شخص العيش بقدراته الكاملة.

مصدر الصور: 1 2 3