أوباما يشرح لماذا لن تعمل الحكومة أبداً بأسلوب وادي السيليكون

غالبًا ما تنتهي المقارنة بين الشركات الناجحة بابتكارتها التقنية والإدارية من جانب والحكومات بأعبائها الاقتصادية والاجتماعية من جانبٍ آخر لصالح الأولى، الأمر الذي يدفع البعض للاعتقاد بأن نجاح الحكومات رهنٌ باتباعها أساليب شركات التكنولوجيا الرائدة. وأحيانًا ما يكون هذا الحديث قناعًا لتأييد سياسات تُفيد الأقلية الثرية مثل تخفيض الضرائب على الشركات والحد من دور الحكومة التنظيمي وتقليص برامج الرعاية الاجتماعية.

وفي الواقع تختلف الحكومات عن الشركات الخاصة التي تختار منتجاتها وخدماتها بناءً على الأرباح المتوقعة وتسعى أساسًا إلى زيادة عائداتها، في حين لا يُقاس نجاح الحكومات بتوازن النفقات والإيرادات فقط، بل يبقى دورها الاجتماعي والتنظيمي المعيار الأهم.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، موطن أهم شركات التكنولوجيا وقصص النجاح المُبهرة في ريادة الأعمال، أكد الرئيس باراك أوباما مرارًا أن تقديم شركات وادي السيليكون منتجات فارقة لتحسين الحياة اليومية لا يعني أبدًا أنها تصلح بديلًا لدور الحكومة ومبادئها، وأن أنجح المشروعات لم تكن لتتحقق دون البنية التحتية والنظام العام الذي تُوفره الحكومة ويُموله المواطنون.

وتعتمد رؤية أوباما على سببين؛ أولهما اضطلاع الحكومة بمهام لا تُقبِل عليها مؤسسات القطاع الخاص التي تبحث بطبيعتها عن مسارات واضحة لتحقيق الأرباح، وثانيهما مسؤولية الحكومة في التخفيف من سلبيات السوق الحرة وضمان تحقيق فرص متساوية في العلاج والتعليم ورعاية المحتاجين.

وتجلى هذا الرأي خلال حديث أوباما في مؤتمر “حدود البيت الأبيض” المعني بالعلوم والتكنولوجيا خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول 2016:

“لن تعمل الحكومة أبدًا بأسلوب وادي السيليكون؛ لأنه، وبحكم التعريف، الديمقراطية مُعقدة. هذا بلدٌ كبيرٌ ومتنوع يضم الكثير من المصالح والكثير من وجهات النظر المُتباينة… وبذلك يتضمن عمل الحكومة معالجة مشكلات لا يرغب غيرها في التعامل معها.

في بعض الأحيان أتحدث إلى مديرين تنفيذيين، يتحدثون معي عن القيادة وطريقتهم في العمل. وأرد: حسنًا، إذا كان كل ما أفعله هو تطوير برنامج أو إنتاج تطبيق، وليس عليّ القلق حيال استطاعة الفقراء تحمل تكلفة البرنامج، أو القلق بشأن بعض التداعيات غير المقصودة للتطبيق. عندها أعتقد أن هذه الاقتراحات رائعة”.

ويتعين على القطاع العام إنجاز مشروعات بالغة الضخامة والتعقيد لا يلمس القطاع الخاص فيها نفعًا مباشرًا، كما حدث مع شبكة الإنترنت التي طورها مشروع تابع لوزارة الدفاع الأمريكية. وبعدما أثبتت التكنولوجيا قيمتها وفائدتها سمحت الحكومة للشركات الخاصة بخوض مجال الإنترنت.

ويُقدم سد هوفر، الذي افُتتح عام 1936، مثالًا آخر على دور الحكومة في تنفيذ مشروعات ضخمة تُفيد أطرافًا مختلفة مثل المزارعين وشركات الكهرباء وإدارات المدن دون أن يتقبل أي منها تحمل عبء المشروع، وتدخلت الحكومة الاتحادية بالتمويل والإشراف. وهو ما حدث أيضًا مع الطرق السريعة داخل الولايات.

وسبق أن قدم أوباما وجهة النظر ذاتها في خطاب شهير أثناء حملته الانتخابية الثانية في عام 2012، وقال فيه أن أكثر الشركات استقلالية قامت على البنية التحتية والضمانات القانونية والأمنية التي تُوفرها الحكومة، وأن المبادرات الشخصية سببٌ في النجاح بقدر إسهام القوة الجماعية للشعب كما يظهر في التعليم والطرق والإنترنت.

وتتمثل الحجة الثانية لأوباما في واجب الحكومة في توفير ظروف متساوية قدر الإمكان للجميع ومساندة الفئات الأضعف في المجتمع، وانتقد في حديثه الأخير ما وصفها بالفكرة الشائعة في الأوساط العلمية والتكنولوجية وبين رواد الأعمال عن الحاجة إلى تدمير النظام القائم وإنشاء ثقافة موازية؛ بسبب ما يرونه من مشكلات متأصلة في الحكومة. وقال أن الحكومة ليست خربة، وإنما يتوجب عليها رعاية فئات لا تشملها ميزانيات الشركات مثل قدامى المحاربين، ويُمثلون لها واجبًا مقدسًا.

وتتطلع الشركات إلى الاستفادة المالية دون الالتفات إلى الآثار السلبية المُحتملة لعملها ابتداءً من الأسعار الباهظة للأدوية وحتى الأضرار النفسية والاجتماعية لمواقع الإعلام الاجتماعي وألعاب الفيديو، ومنها تأثيرات شركات مثل “أوبر” و”ليفت” التي أحدثت تغيرًا جذريًا في بنية المواصلات وأفادت المؤسسين وربما يسرت التنقل لكثيرين، لكن ذلك جاء على حساب السائقين وشركات سيارات الأجرة، ويهتم بأمر هؤلاء المؤسسات الحكومية وليس مجالس إدارة الشركات.

وبينما تُظهِر النظرة السطحية وقصيرة الأمد العناية بفئات مثل الفقراء وكبار السن كأعباء تُثقل الميزانيات الحكومية، فإنها تُمثل على المدى الطويل سبيلًا وبرهانًا على تماسك المجتمع، وهو أمر لا يُقدر بثمن.

المصدر

الصورة