أي البلدان أفضل استعدادًا لمواجهة تحديات الصحة في المستقبل؟

تُواجِه أنظمة الرعاية الصحية في مُختلف أنحاء العالم الكثير من التحديات في ظل ازدياد أعداد السكان وارتفاع الأعمار، وفي الوقت نفسه تتسارع وتيرة الابتكار في علاج الأمراض ونظم الرعاية. وخلافًا للحال في أغلب المجالات، تتفوق الدول الناشئة مثل الصين وجنوب أفريقيا على المتقدمة في الاستفادة من تكنولوجيا الرعاية الصحية المُتصلة.

وتبدو وثبات الدول النامية لتخطي الاقتصادات المُتقدمة ظاهرةً مُتكررة، وبفضل التكنولوجيا الجديدة لا تُضطر الدول النامية للتعامل مع مشكلات تفرضها أنظمة وعمليات قديمة. ومن أمثلة هذه الوثبات الانتشار الواسع للهواتف المحمولة والخدمات المالية والتعليمية عبر المحمول في أفريقيا التي تفتقر الكثير من دولها إلى البنية التحتية للهواتف الثابتة.

وتتباين الأنظمة الصحية حول العالم في استفادتها من تكنولوجيا الاتصال، وإن كانت الدول النامية تتخطى الدول المتقدمة، بحسب ما خلصت إليه النسخة الأولى من “مُؤشر مستقبل الصحة” Future Health Index الذي صدر برعاية شركة “فيليبس”.

وتستخدم أنظمة الرعاية الصحية المُتصلة أدوات بسيطة مثل الهواتف الذكية وأجهزة الاستشعار الشخصية لمُتابعة العلامات الحيوية للمرضى مثل مُعدل ضربات القلب والتنفس، وتتضمن تبادل البيانات مع الأطباء ومُقدمي الرعاية، ما يسمح لهم بتقديم خطط علاجية أكثر تخصيصًا ومُتابعة حالة المرضى عن كثب.

وشملت الدراسة أكثر من 25 ألف مريض و2600 من المُتخصصين في خدمات الرعاية الصحية في ثلاثة عشر بلدًا. وكما هو المُتوقع تفوقت البلدان المتقدمة في توفير الخدمات الصحية، وجاءت المُفاجأة من تفوق الأخيرة في اعتماد تكنولوجيا الرعاية المُتصلة.

وتصدرت الإمارات العربية المتحدة مؤشرًا من مائة درجة بتحقيقها 65.3، وفي المُقابل تراجعت ألمانيا واليابان إلى المراتب الأخيرة بدرجتيّ 54.5 و49 على الترتيب. وشغلت الدول الناشئة الأربعة التي شملها التقرير، الإمارات والصين والبرازيل وجنوب أفريقيا، مراتب متقدمة فيما يخص مستويات اعتماد تقنيات الرعاية المتصلة.

تقرير "مؤشر مستقبل الصحة"

يُظهِر المقياس مدى استعداد الدول لمواجهة تحديات قطاع الصحة في المستقبل وتخطت اقتصادات ناشئة مثل الإمارات والصين دول أكثر تقدمًا مثل اليابان وألمانيا والمملكة المتحدة

ويُمكن تفسير تفوق الأسواق الناشئة بتحررها من إرث أنظمة عتيقة ومُشكلاتها، بالإضافة إلى نجاحها في التكيف السريع مع التكنولوجيا المُبتكرة. وبالفعل تُؤتي تجارب هذه الدول أكلها؛ وقال نصف المُتخصصين في الرعاية الصحية في البلدان النامية أنهم على علم بتقنيات الرعاية الصحية المُتصلة مُقارنةً مع ربع نظرائهم في الدول المتقدمة.

ويُسلط هذا التباين الضوء على اختلاف التصورات بين الجانبين؛ إذ تُمثل اللوائح الصارمة المعنية بحماية الخصوصية والبيانات الشخصية في الدول المتقدمة عبئًا يُعيق إنشاء أنظمة رعاية صحية أكثر تكاملًا واعتمادًا على التكنولوجيا. وفي ألمانيا اعتبر نصف المتخصصين في الرعاية الصحية المخاوف بشأن الأمن والخصوصية أكبر العقبات أمام استخدام أغلب السكان لأجهزة الرعاية المُتصلة، وهو ما وافقت عليه نسبة مُقاربِة في اليابان والسويد. أما في جنوب أفريقيا والإمارات فأعربت نسبة أقل كثيرًا عن هذه المخاوف.

كما تُعد بيروقراطية الأنظمة الصحية قيدًا أمام أنظمة الرعاية الصحية المُتكاملة في الدول المُتقدمة بحسب رأي جانب كبير من مقدمي خدمات الرعاية والمرضى، بينما تتراجع الإشارة إلى مشكلة البيروقراطية في الدول الناشئة.

وبطبيعة الحال، يعني وجود قدر أقل من المخاوف حيال الخصوصية والبيروقراطية زيادة تفاؤل الدول النامية بشأن دور التكنولوجيا في التغلب على التحديات الصحية العالمية وتفوقهم النسبي في استخدامها، ويتصور مقدمو الخدمات الصحية في هذه الدول حصول الجميع على أدوات التكنولوجيا الصحية في المستقبل وإسهامها في تحسين الصحة العامة للسكان، ويتفق المرضى في البلدان الناشئة في رؤية التأثير الإيجابي للرعاية المتصلة.

ويتفق أغلب المرضى ومقدمي خدمات الرعاية الصحية في مختلف البلدان على دور تكامل النظم الصحية في تحسين جودة الخدمات الصحية النهائية وصحة السكان. وبينما لا توجد وصفة واحدة مضمونة لاعتماد تكنولوجيا الرعاية الصحية، بمقدور الدول المتقدمة والنامية الاستفادة من تجارب بعضها البعض.

وربما يتمثل الدرس الأكثر أهمية في إدراك أن استخدام التكنولوجيا ليس حلًا سحريًا دائمًا لمشكلات الأنظمة الصحية الوطنية، وربما تُؤسس حكومات شبكات وتُوفر أجهزةً لمواطنيها دون أن تلمس تحسن الخدمات لأسبابٍ منها تردد السكان في الاستفادة من هذه التطورات أو بقاء البيانات حبيسة أنظمة الرعاية الصحية.

المصدر

مصدر الصورة