إلى أي مدى ينبغي للحكومات التدخل في توجيه الابتكار؟

على الرغم من ارتفاع أرباح الشركات والتطورات التقنية المُتلاحقة، شهدت معدلات التوظيف انتعاشًا بطيئًا منذ الأزمة المالية في عام 2008، كما يتفاقم انعدام المساواة، ويُذكي كل ذلك الإحباط الشعبي، ويدفع إلى إعادة تقييم دور الحكومات في توجيه الابتكار لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتقييم جديد للنظام الرأسمالي عمومًا.

وتُعارض ماريانا مازوكاتو، أستاذة اقتصاد الابتكار في “جامعة ساسكس” البريطانية، فكرة نجاح الأسواق الحرة دائمًا في تحقيق النتائج المنشودة، وارتفاع مستوى النجاح كلما تمتعت الأسواق بدرجةٍ أكبر من الحرية. وترى أن السياسات الحكومية تُسهِم في تشكيل الأسواق.

وتتجاوز مازوكاتو فكرة مسؤولية الحكومة عن تشجيع الابتكار، أو ما تسميه “القوة الدافعة وراء النمو الاقتصادي والتنمية”، إلى القول بواجب الدولة في تحديد مسار الابتكار وتوجيهه نحو مشكلات محددة سواءً كانت زيادة الإنتاجية أو التحول للطاقة النظيفة. واعتبرت أن الابتكار بحاجة إلى مؤسسات عامة مُتخصصة في الأبحاث والتطوير تحظى بتمويلٍ جيد.

وبالتأكيد لا تُعد فكرة السياسات الصناعية جديدة بأية حال، وطالما أثارت خلافًا، ويُعرفّها الاقتصاديون باعتبارها قيام الحكومات بدورٍ مقصود في توجيه الابتكار والنمو لتحقيق أهداف بعينها. وتأتي دعوة مازوكاتو لإحياء هذه السياسات بعد عقود من رفض الساسة لها، وخصوصًا في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

ويتخطى رأي مازوكاتو أهمية توفير الحكومة فرص متساوية للجميع إلى ضرورة تدخل الحكومة لمنح فرص أفضل للبعض سعيًا لإنجاز أهداف عامة مُختارة. ولأجل ذلك ترى “حاجة إطار العمل الكلي إلى تغيير”؛ فلا ينبغي للحكومة الاكتفاء بالتدخل في الظروف الاستثنائية، بل عليها أن تكون شريكًا في تشكيل الأسواق، ودون ذلك فإنها تُخاطر بتسكين المشكلات دون حلها فعليًا.

وتُفسِر مازوكاتو تباطؤ النمو وتنامي انعدام المساواة في الوقت الراهن بتنصل الحكومات في الولايات المتحدة وأوروبا من مسؤولياتها، وتعتبر أن الشركات الخاصة حققت مكانةً وثراءً كبيرين بالاستفادة من أبحاث مولتها الحكومات، وضربت مثلًا بهاتف “آيفون” الذي أفاد من تقدم الشاشات اللمسية ونظام تحديد المواقع الجغرافية العالمي والإنترنت.

ولقيت آراء مازوكاتو صدى بين بعض الساسة اليوم، وبعد أسابيع من تولي تيريزا ماي منصب رئاسة الوزراء في بريطانيا أعلنت تأسيس “إدارة الأعمال والطاقة والاستراتيجية الصناعية”، ما يُلمح إلى إعادة السياسات الصناعية بعد أكثر من ثلاثين عامًا من إنهاء مارجريت ثاتشر لها.

وشهد مطلع الثمانينات من القرن الماضي نقاشًا في الولايات المتحدة وبريطانيا بشأن السياسات الصناعية في ظل تبشير الرئيس الأمريكي رونالد ريجان ورئيسة الوزراء البريطانية ثاتشر بمنافع الأسواق الحرة وأخطار التدخل الحكومي. وخلال العقود القليلة التالية اعُتبرت التدخلات الحكومية مُعادلًا لاختيار السلطة الشركات الفائزة والخاسرة في المنافسة.

ويعترف أنصار السياسات الصناعية بتاريخها المُتقلب من النجاحات والإخفاقات، ومنهم داني رودريك في كتابه “سياسة صناعية خضراء”، ومع تأكيده أهمية الاستراتيجية الحكومية لإجراء تغييرات ضرورية تُبطئ تغير المناخ، أقر بصعوبة تنفيذها.

وقال رودريك، أستاذ الاقتصاد في “كلية جون كينيدي للحكومة” في “جامعة هارفارد” الأمريكية، أنه بينما نجحت سياسات مُشابهة في الصين واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها، يُنظر إليها باعتبارها مُخططات يشترك فيها السياسيون والشركات. كما أن السياسات الرامية لدعم قطاع معين أنتجت كيانات باهظة التكلفة وفاشلة مثل طائرة الكونكورد التي استهدفت تعزيز صناعة الفضاء في المملكة المتحدة وفرنسا.

وبسبب تاريخ السياسات الصناعية، عادةً ما يبدي خبراء الاقتصاد شكوكهم نحوها، إن لم يُعلنوا رفضهم الصريح لها. ومع إقرار رودريك يتحديات تنفيذ السياسة الصناعية، أكد على أن لها دورًا لا غنى عنه في توجيه الاقتصاد العالمي إلى مسار نمو صديق للبيئة؛ بسبب إخفاق الأسواق في حساب التكلفة الاجتماعية للانبعاثات الضارة وفوائد الأبحاث الخطيرة في قطاع الطاقة.

وأوضح رودريك أن السياسات الصناعية المعاصرة تختلف تمامًا عما كانت عليه قبل عقود. ولا تعني توجيه اهتمام خاص واستثمارات وحوافز ضريبية لقطاعٍ بعينه مثل الصلب أو الفضاء، وبدلًا من ذلك تتضمن العمل عبر قطاعات مختلفة لتحقيق أهداف مثل التصدي للتغير المناخي. ويعني ذلك دفع السياسات للسوق في اتجاه لم يكن ليذهب إليه دونها، وتعاون الحكومة مع الشركات لتحقيق المزيد من النمو السريع والمناسب.

ووفقًا لهذا الفهم واصلت الحكومات وضع سياسات صناعية طيلة الوقت حتى مع تراجع شعبية الفكرة خلال الثمانينات، بحسب رودريك. لكن قيام الحكومات بذلك دون إعلان تسبب في غموض أهدافها، وحرمها من فائدة مهمة عند تصميم السياسات؛ وهي توافر الوعي الذاتي والانفتاح لوضع قواعد تقي القرارات من الأهواء والمصالح السياسية.

وفي كثيرٍ من الأحيان يُشار إلى قصة شركة “سوليندرا” Solyndra للطاقة الشمسية، التي أعلنت إفلاسها في عام 2011، كمثال على تدخل الحكومة الواضح لدعم شركة ما. ويُرجِع رودريك إخفاق الشركة إلى رخص أسعار التقنيات المُنافسة لها، دون أن تُمثل بالضرورة اتهامًا للسياسات الصناعية.

ويرى أن المشكلة الحقيقية تكمن في تعدد أهداف برنامج قروض وزارة الطاقة الأمريكية، الذي دعم “سوليندرا”، وإغفاله تحديد معايير واضحة لتقييم تقدم الشركات وإيقاف الدعم عند الضرورة. وبالتالي كانت العوامل الساسية وحدها وراء مساندة “سوليندرا”؛ إذ اتخذت إدارة الرئيس باراك أوباما من دعمها للشركة إثباتًا لمساندتها الطاقة الخضراء.

وتُقدم النتائج الإيجابية أو السلبية لبرنامج الحوافز من إدارة أوباما بقيمة 787 مليار دولار، نالت مشروعات الطاقة نحو ستين مليار دولار منها، دروسًا ثمينة حول صعوبة تنفيذ نظرية اقتصادية للسياسة الصناعية. ولا يُمكن إنكار نبل مقصد قانون الحوافز واستثمار الإنفاق الحكومي في دعم أهداف اجتماعية بالغة الأهمية، لكن منذ البداية بدأت المشكلات؛ نظرًا لتعدد أهداف دعم الطاقة بين توفير الوظائف وتأسيس البنية التحتية للطاقة الخضراء.

وفي كثيرٍ من الأحيان تعارضت هذه الأهداف معاً؛ إذ أن تحفيز الاقتصاد يعني إنفاق المال سريعًا، بينما يتطلب الاستثمار الحكيم في مشروعات الطاقة قرارات مدروسة وإجراءات وقائية صارمة وبالتالي يحتاج وقتًا كافيًا. وعلاوةً على ذلك، تسعى الاستثمارات إلى مساعدة المناطق الأكثر حاجة اقتصاديًا حتى إذا لم تكن أنسب الاختيارات، كما حدث مع دعم الحكومة شركات إنتاج البطاريات في ولاية ميشيجان، وانتهى الأمر بإفلاس “سوليندرا” وعدد من الشركات الناشئة المُتخصصة في الطاقة الشمسية والبطاريات

وشبّه الأستاذ في “كلية هارفارد للأعمال”، جوش ليرنر، سياسة تحفيز قطاع الطاقة بالكارثة، بسبب أسلوب تنفيذها وانتهاكها قواعد ثابتة؛ ووضع الحكومة رهانات كبيرة على شركات قليلة، أي اختيار الفائزين، في غياب معايير واضحة للاختيار.

ومع ذلك، لا يُعارض ليرنر التدخلات الحكومية لدعم الابتكارات في قطاع الطاقة بسبب الحاجة الماسة إليها أكثر من أي وقت مضى، وإن كانت الخبرات تُظهِر تفوق خسائرها على نجاحاتها. ويُفسِر الفشل بجهل القائمين على هذه البرامج بتفاصيل التقنيات وعملها.

كما أن تخفيض الميزانيات والضغوط السياسية تُسهِم كثيرًا في تحديد نجاح التدخلات الحكومية، وهو ما جرى مع عالم الفيزياء الحاصل على جائزة نوبل، ستيفن تشو. وتولى تشو في عام 2009 منصب وزير الطاقة في الولايات المتحدة، ودعم أبحاث الطاقة وأسس عددًا من مراكز الأبحاث، لكن جميع هذه المبادرات، التي تحتاج إلى الصبر والتمويل المستمر، تأثرت سلبًا بالتغيرات السياسية.

ويدفع ذلك للتساؤل الجدي عن سُبل نجاة المبادرات الحكومية، التي تتضمن استثمارات في المشروعات البحثية والهندسية، من التقلب المُتواصل في الأمزجة السياسية والقيادة الحكومية. وفي كل الأحوال تحتاج السياسات الصناعية الفعّالة والحكيمة إلى ساسة يتمتعون بالقدر نفسه من الحكمة.

المصدر

الصورة