قيمة انترنت الاشياء: هل نستفيد حقًا من اتصال الثلاجة بالإنترنت؟

يستخدم البعض أساور اللياقة البدنية التي تُتابع ضربات القلب ومعدل التنفس والنوم، وتُنسق المدن حركة المرور عن طريق تبادل البيانات بين الحافلات وإشارات المرور، ويُفضل البعض تأمين منازلهم بكاميرات يُشاهدون تسجيلاتها عن بُعد.

وفي الحالات الثلاثة، على اختلافها، تُستخدم أجهزة مُتصلة بالإنترنت تنتمي إلى ما يُطلق عليه “إنترنت الأشياء”، ويعني أن جمع البيانات ونقلها لم يُعد حكرًا على حواسيب أو هواتف بل ينتشر على نطاقٍ واسع ابتداءً من أجسام البشر ومنازلهم وحتى الشوارع والمدن بأكملها.

وبينما لا يُمثل إنترنت الأشياء تكنولوجيا واحدة، إلا أن الأجهزة والخدمات والشركات تتفق على جمع البيانات واستخدامها في قياس العالم والتحكم فيه. وفي مواجهة تصميمات تغزو مختلف جوانب حياتنا من المهم التساؤل عن الأفكار التي تعتمد عليها والأطراف التي تخدم مصالحها.

وفي السطور التالية إجابات محتملة قدمها الكاتب الأمريكي آدم جرينفيلد استنادًا على كتابه الجديد “التقنيات الثورية: تصميم الحياة اليومية”. ويعكس كل جانب في إنترنت الأشياء تحديات مختلفة سواءً ما يخص القياس الكمي للذات بواسطة الأجهزة الشخصية أو المنازل الذكية أو المدن الذكية.

الأجهزة القابلة للارتداء

تهدف الأجهزة القابلة للارتداء كالساعات الذكية وأساور اللياقة البدنية إلى تقديم قياسات كمية لأنشطة الأفراد

على المستوى الأقرب إلينا يتجلى إنترنت الأشياء في الأجهزة القابلة للارتداء، أبسطها يُشبه عدادات رقمية لإحصاء الخطوات والمسافة التي يقطعها الشخص وتقدير عدد السعرات الحرارية التي يحرقها الجسم، وتقيس بعض الإصدارات المتطورة ضربات القلب والتنفس ودرجة حرارة الجسم والعرق. وتهدف نظريًا إلى مساعدة مستخدميها على الإدارة الصارمة لذواتهم وأنشطتهم.

وتَعِد طائفةٌ أخرى من المنتجات المنزلية بتقديم الراحة، وتتجاوز الحاجة إلى عمليات التفكير الفاصلة بين الرغبة في الشراء وتلبيتها. وضمن موجة المنازل الذكية تُشبه الكثير من الأجهزة كالتلفزيونات والثلاجات نظيراتها العادية باستثناء إضافة إمكانية الاتصال بالإنترنت، لكن جهاز “داش بوتون” Dash Button من “أمازون” لم يكن ليُوجد دون الإنترنت.

وبحسب وصف الشركة، تتصل أجهزة “داش بوتون” بشبكة “واي فاي”، ويُختص كلٌ منها بغرضٍ واحد وهو إعادة طلب منتج بعينه، وبعد تنزيل التطبيق المُخصص وتسجيل حساب “أمازون برايم”، يستطيع المستخدم الضغط على الجهاز أو الزر في أي وقت ليطلب نفس المنتج دون الحاجة لزيارة موقع “أمازون” وطلبه بالخطوات التقليدية.

وربما يكون “داش بوتون” نافعًا للمسنين أو لأشخاصٍ منشغلين للغاية، لكنها تظل فائدة ضئيلة مُقارنةً بما تجنيه “أمازون”. وتحصل الشركة على معلومات حول معدل الاستهلاك وتكرار الطلب، وجميعا بيانات لها قيمتها ستستغلها بكل طريقة تسمح بها شروط الاستخدام، بما في ذلك تأليف نماذج سلوكية لرغبات المستهلكين تُساعدها في توجيه رسائلها بكفاءةٍ أكبر في المستقبل.

وتسمح أجهزة مثل “داش بوتون” للمستخدمين بإنجاز التعاملات التجارية بأقل قدر من الجهد والتفكير الواعي، وتجنبهم اللحظات القليلة اللازمة لإدخال البيانات على شاشات هواتفهم أو حواسيبهم اللوحية. وكلما قلت الخطوات اللازمة لإتمام الشراء زادات احتمالات إنفاق الأموال.

"داش بوتون" من "أمازون"

لا يترك “داش بوتون” للمستخدمين مساحةً كبيرة للتفكير في مدى حاجتهم لمنتج معين، ويَحد من أعباء التسوق الإلكتروني على قلتها

وتتبع الشركات المُهتمة بالمنازل الذكي النهج ذاته على أمل أن تنال منتجاتها نجاحًا وانتشارًا يُعادل الهواتف الذكية. ومن أبرز أمثلتها أجهزة تعمل كمُساعِدات رقمية أو مراكز تحكم في الأجهزة المتصلة في المنازل العصرية من الإضاءة إلى الترفيه والأمن والتدفئة والتهوية. ومنها “إيكو” من “أمازون”، و”هوم بود” من “آبل”، و”جوجل هوم”.

وللوهلة الأولى تبدو أجهزة صغيرة عديمة الضرر تبدأ بالعمل فقط حين يتحدث المستخدمون إليها ويُلقون الأوامر أو يطرحون الأسئلة. لكن نظرة أعمق إلى آلية عملها تكشف عن مشكلات أكبر.

ومثلًا قد يُخبر المستخدم “جوجل هوم” برغبته في تناول طعام إيطالي، وحينها سيرد المُساعِد الرقمي باقتراح حجز طاولات في مطاعم إيطالية عبر تطبيقات مثل “أوبن تيبل” OpenTable. وبينما تبدو اختياراته مُحايدة تمامًا، إلا أنها ليست كذلك؛ إذ تشترط “أوبن تيبل” استخدام المطاعم التي يعرضها التطبيق لبرمجياتها، وتحصل على البيانات الناتجة وحصة من جميع الحجوزات التي تتم من خلالها.

وبالتالي فإن اختيار “جوجل” إجراء الحجوزات عبر “أوبن تيبل” يجعل من التطبيق فعلًا طبيعيًا لدى المستخدمين. وهو أمر يعكس أولويات المسؤولين عن “جوجل هوم”، وهم –كأغلبية العاملين في قطاع التكنولوجيا- مجموعة متجانسة من المصممين والمهندسين الشباب. ولا يهم كثيرًا مدى اتفاقهم فيما بينهم بقدر أهمية اختلافهم الواضح عن غيرهم.

وعمومًا ابتكر المنتجات التي تنتمي لتيار إنترنت الأشياء أشخاصٌ ينتمون إلى جيلٍ يُفضل خدمات مثل “أوبر” لطلب السيارات، و”إير بي إن بي” بدلًا من الفنادق، والدفع عبر الهواتف مثل “آبل باي”، في حين تُظهِر بيانات “مركز بيو للأبحاث” أن نسبةً كبيرة من الأشخاص لم يستخدموها أو يسمعوا بها.

"إيكو" من "أمازون"

تعمل أجهزة مثل “إيكو” من “أمازون” كمساعدات رقمية منزلية ومراكز تحكم في الأجهزة المنزلية المتصلة بالإنترنت لكنها تستمع طيلة الوقت لما يجري حولها وتجمع بيانات يُمكن للشركات استغلالها الآن ولاحقًا

ويُضاف إلى ذلك تحديات ترتبط بالخيارات التي يعرضها المُساعِد الافتراضي؛ إذ يصعب تحديد ما إذا كانت نتيجة لعمليات البحث على الإنترنت أو محتوى إعلاني مدفوع. وتكمن المشكلة الحقيقية في تعزيز هذه الأجهزة لأسلوب التعامل مع العالم المحيط دون تفكير، فلا يتقبل المستخدمون الانتظار بعض الوقت لتلبية رغباتهم، ولا يتنبهون كثيرًا للعمليات التي تقود إلى إشباع احتياجاتهم.

ولا يعني صمت أجهزة المساعدة المنزلية توقفها عن العمل؛ إذ أنها تستمع طيلة الوقت لما يجري حولها انتظارًا لطلبات المستخدم. وبالتالي تجمع الكثير من البيانات التي قد تُفيد الشركات لاحقًا في تحسين الإعلانات المُوجهة أو لأية أغراض تجارية أخرى تختفي وسط شروط الاستخدام. وتتبع شركات مثل “أمازون” و”جوجل” مبدأ جمع كل ما يُمكنهم من بيانات لاحتمال الاستفادة منها في المستقبل. (اقرأ أيضًا: هل ينبغي القلق من تكنولوجيا المنازل الذكية؟)

وتتكرر مرة أخرى المقارنة بين الراحة القليلة التي يحصل عليها المستخدمون نظير وجود أجهزة المساعدة الرقمية في منازلهم، وحصول الشركات على بيانات شخصية قيّمة. ويدفع ذلك للتساؤل عن الفكرة التي تكمن وراء جميع وعود إنترنت الأشياء: هل نخضع لقيودٍ هائلة بالعيش في عالم لا تتصل فيه جميع الأجهزة بالإنترنت؟ وهل من الصعب جدًا علينا الانتظار حتى وصول المنزل ثم تشغيل الفرن أو العيش دون ثلاجة لا تتصل بالإنترنت؟ وهل تستحق أشياءً كهذه ما ندفعه من بياناتنا؟

ويمتد جمع البيانات عنا وعما نقوم به من الهواتف إلى أجهزة المنازل وصولًا إلى أجهزة تنتشر في الشوارع الحديثة كالكاميرات وأجهزة الاستشعار مُتعددة الأغراض، وتنتمي إلى ما يُطلق عليه “المدن الذكية”. وإذا كانت أجهزة الاستشعار الشخصية تسعى إلى القياس الكمي للأنشطة الشخصية، وتطمح المنازل الذكية إلى توفير الراحة، فإن المدن الذكية تُركز على تحقيق استغلال أكثر كفاءة للموارد، ولذلك تجمع بيانات لم تتضح بعد كيفية استخدامها.

وقدَّم تعريف من شركة “سيمنز” للمدن الذكية صياغةً واضحة لهذه الفكرة، وذكر أنه بعد عدة عقود سيكون لدى المدن عدد لا يُحصى من أنظمة تكنولوجيا المعلومات المستقلة التي تعمل بذكاء وتعرف جيدًا عادات المستخدمين واستهلاك الطاقة وتُقدم خدمات مُحسَّنة، وهدفها التحكم في الموارد على النحو الأمثل بواسطة أنظمة تكنولوجيا المعلومات المستقلة.

ويكمن وراء هذا التعريف موقفٌ فلسفي يرى أن المُمكن معرفة العالم تمامًا، وإحصاء مكوناته وتحويل روابطها إلى تعليمات برمجية في أنظمة تقنية دون تحيز أو تشويه. وينطوي ذلك على اعتبار أن هناك حل صحيح واحد فقط لكل مسألة، ويُمكن الوصول إليه عبر الخوارزميات وعمليات تقنية تتلقى المُدخلات المناسبة، وأن من المُمكن دمج  الحل في السياسة العامة دون تحريف. وينطوي ذلك على افتراض تطبيق هذه النتائج بشفافية ومساواة ودون الخضوع لعوامل سياسية.

ومن المُمكن التشكيك في مختلف جوانب هذا الموقف بأكثر من طريقة. أولها من ناحية ادعاء المعرفة الكاملة بالعالم؛ فحتى مع انتشار أجهزة الاستشعار، فإنها تحصل فقط على معلومات مُحددة ومُعدة مُسبقًا، ولن تتمكن من تحصيل جميع ما يلزم لصياغة سياسة مدنية سليمة.

وثانيًا: لا يُمكن تجنب التحيزات البشرية في جمع البيانات وتحليلها بشكلٍ تام. ومثلًا إذا واجه ضابط شرطة ضغوطًا من رؤوسائه لتقديم عدد مُحدد من القضايا قد يُركز على انتهاكات بسيطة كان ليتجاهلها في الأحوال العادية، في حين أن الأوامر بإبراز استقرار الأمن قد تدفعه إلى تصنيف جرائم خطيرة كجُنح. وترتفع احتمالات حدوث هذا عند ربط الحوافز المالية والمعنوية بمستوى مُعين من الأداء. (اقرأ أيضًا عن التحيز في تطوير الخوارزميات)

وتتصل النقطة الثالثة بتفسير البيانات. ويعتبر المُدافِعون عن المدن الذكية أن لكل فعل بشري معنى واحد ثابت يستطيع نظام آلي إدراكه وفهمه والتصرف على أساسه عن بُعد دون أي احتمال للخطأ. لكن الإصرار على هذه الرؤية يمنح قرارات سياسية تستهدف مصالح بعينها طبقةً لامعة غير مُستحَقة من الموضوعية العلمية.

ورابعًا: يسهُل تحريف البيانات اعتمادًا على أساليب جمعها وتحليلها. ومثلًا يُمكن التوصل إلى قياسات مختلفة لتلوث الهواء في نفس المنطقة من خلال تغيير ارتفاع أجهزة الاستشعار بأمتار قليلة. ويختلف تقدير مستوى الأمن عند إجراء تعديلات طفيفة في تصنيف الجرائم، وكذلك الحال مع تأثير تغيرات دقيقة في صياغة الأسئلة على نتائج استطلاعات الرأي.

المدن الذكية

تهدف المدن الذكية إلى إدارة الموارد والعمليات اليومية في المدن بواسطة خوارزميات ذكية لكن هذه الرؤية والمبادئ التي تستند إليها لا تخلو من عيوبٍ بالغة

وخامسًا: يتناقض الزعم بالمعرفة الكاملة مع الواقع الفوضوي لجميع الأنظمة المعروفة لمعالجة المعلومات والأفراد والمؤسسات التي تستفيد منها، ومع العالم الأوسع كما نعرفه. ويصعب على أي خبير وصف أي نظام حاسوبي بالكمال بغض النظر عن مدى قوته.

وسادسًا: فكرة وجود حل واحد فقط للمشكلات الحضرية مُحيّرة للغاية؛ إذ تتألف المدن من أفراد ومجتمعات لكلٍ منهم تفضيلات مُتعارضة ويستحيل تلبيتها جميعًا في نفس الوقت. كما أنه من الصعب تصديق أن هذا الحل، إن وُجد، يُمكن بلوغه من خلال الخوارزميات.

وبافتراض وجود صيغة رياضية يُمكنها الموازنة بين مُتطلبات الدوائر المتنافسة في مدينةٍ ما، فبالتأكيد سيكون الأفضل عملها تلقائيًا وباستمرار، لكن الاستسلام الكامل لخوارزمية يُمثل إفراطًا في الثقة بالطرف المسؤول عن تأليفها. وفي حال تبين أن الصيّغ الرياضية التي ستُدير مدن المستقبل تُشبه تلك المستخدمة في النماذج الحاسوبية الحالية فستكون النتيجة استنتاجات نصف ذكية تركن إلى قيمٍ بديلة في المجالات التي يصعب قياسها مثل اتخاذ سرعة السير مُؤشرًا على وتيرة الحياة، وعدد براءات الاختراع دلالةً على الابتكار.

غلاف كتاب "التقنيات الثورية" آدم جرينفيلد

كتاب “التقنيات الثورية” آدم جرينفيلد

ومن الضروري إدراك أن تطوير خوارزمية تختص بتوزيع الموارد في مدينة أو مجتمع هو فعل سياسي في المقام الأول. وحتى الآن لم تتناول الأدبيات الحالية للمدن الذكية إخضاع الخوارزميات ومطوريها للمساءلة السياسية. (اقرأ أيضًا: كيف يتمكن المجتمع من إخضاع الخوارزميات للمساءلة؟)

وأخيرًا يصعب تقبل أن نتائج المعادلات والخوارزميات ستتحول إلى سياسات عامة دون تدخل من العوامل السياسية وتقلباتها. ونادرًا ما تُطبَق نتائج النماذج الحاسوبية على مسائل حساسة مثل تخصيص الموارد دون ضبط خارجي. وربما تُطمس النتائج غير المرغوبة أو يتم إخضاعها لعوامل أقوى أو تجاهلها.

وبذلك يتناقض الزعم بتحقيق الكفاءة الكامن وراء معظم مشروعات المدن الذكية مع جميع ما نعرفه عن عمل أنظمة التكنولوجيا ومع كيفية عمل المدن أصلًا. وفشل مصممو المدن الذكية في التعامل مع واقع السلطة وقدرة النخب على تجاهل الاتجاهات التي تتعارض مع مصالحهم. وفي أفضل الأحوال يتسم الاعتقاد بإمكانية السماح لتحليل البيانات التي تجمعها أجهزة الاستشعار بقيادة السياسات بالسذاجة، وفي أسوأها يتجاهل دروس التاريخ.

وفي نهاية المطاف ربما يصعب تجنب الخاتمة المُعتادة عند تناول التكنولوجيا الجديدة والاعتراف التقليدي بمنافعها وأضرارها. لكن في الواقع لا يُمكن إنكار الفرص الكبيرة التي يُتيحها إنترنت الأشياء وسيكون من الحماقة تجاهلها بشكلٍ مُطلق، لكن من الضروري التحلي ببعض الحكمة وفضيلة التساؤل المُستمر وحتى الشك عند التعامل مع هذا المجال بأكمله، وخصوصًا لمواجهة مساعي الشركات والحكومات جمع الكثير من البيانات عن حياتنا، ومقاومة وعودهم البراقة بإدارة أفضل للذات وراحة وسياسات عامة أكثر فعالية.

الصور: 1 2 3 4 5