إهمال خصوصية البيانات مشكلة أخرى تنتظر السيارات ذاتية القيادة

ربما تطغى مُناقشة قضايا السلامة العامة المُتصلة بالسيارات ذاتية القيادة وتهيئة الطرق لاستخدامها وتأثيرها على شبكات المواصلات وطبيعة اقتناء السيارات على مسائل لا تقل أهمية؛ وعلى رأسها التعقيدات المُرتبطة بخصوصية بيانات السائقين والركاب والأمن الإلكتروني للسيارات، بحسب ما تناولت إلين جودمان، أستاذة القانون في “جامعة روتجرز” الأمريكية والمُهتمة بدراسات شفافية البيانات، في مقالها في صحيفة “الجارديان” البريطانية.

وفي الوقت الراهن تُسارع عدة ولايات أمريكية لتنظيم عمل السيارات ذاتية القيادة، والتكنولوجيا القابلة للارتداء التي تُستخدم لأغراضٍ منها مُتابعة الصحة واللياقة البدنية، وأدوات المنازل الذكية المُرتبطة بالبنية التحتية، وبقية الأجهزة التي تنتمي إلى ما يُطلق عليه “إنترنت الأشياء”. وتنتهي هذه المحاولات جميعًا إلى تناول سطحي لقوانين تفتقر إلى الاكتمال والتناسق تُضعِف الجانب الإيجابي لهذه التقنيات دون أن تُفلح في مُعالجة مخاطرها.

وربما يكون الأمر اللافت في المحاولات المُبكرة لتنظيم هذه التقنيات ليس تنوعها المُتوقَع والمفهوم، وإنما تناولها جوانب السلامة المادية، وتركها مسائل مثل الخصوصية والأمن الإلكتروني دون كثير من البحث. ويبدو ذلك نمطًا شائعًا في الوقت الحاضر، ويصدق أيضًا على لوائح استخدام الطائرات من دون طيار؛ إذ تمتد سلطة الهيئات التنظيمية إلى التهديدات المادية دون الأخطار المعلوماتية. ويجعل ذلك الأجهزة التنظيمية حبيسة العصر الذري في حين دخلت التكنولوجيا إلى عصر الشبكات المُتصلة.

وحتى الآن سنت سبع ولايات أمريكية إلى جانب قطاع كولومبيا أو العاصمة واشنطن دي.سي. قوانين تُنظم عمل السيارات ذاتية القيادة، وتُعِد الكثير من الولايات الأخرى قوانينها الخاصة. ويكمن الخلل الأكثر وضوحًا في هذه المساعي الأولى في إغفالها مُعالجة تدفق البيانات من السيارات المتصلة. وتُركز جميعها على تعريف المركبات ذاتية القيادة، وتصف إجراءات التسجيل ومُتطلبات استخدامها في الطرق، وتتفق في اشتراط توفير سيطرة يدوية ووجود سائق حاصل على رخصة قيادة في موضع يسمح له بتولي زمام التحكم في المركبة.

وتطرقت بعض القوانين إلى تقسيم المسؤوليات وتفاصيل قضايا التأمين والسلامة، كما فرض بعضها ضرائب خاصة على أصحاب السيارات. وبطبيعة الحال تلقت هذه القوانين انتقادات مُعتادة تتعلق بتسبب القواعد المُتضاربة في إضعاف الابتكار في صناعة السيارات، وتساءلت هذه الأصوات عما سيحدث مثلًا إذا ما اشترطت إحدى الولايات توفير عجلة قيادة ومكابح القدمين في حين لم يطلب قانون ولاية أخرى ذلك.

وفي ظل غياب تصرف مُوحد على المستوى الفيدرالي في الولايات المتحدة، ربما تتولى ولاية كاليفورنيا زمام القيادة وتُقدم معايير ستسير على خطاها ولايات أخرى بالنظر إلى سرعتها في تبني التقنيات الجديدة وسوقها الضخمة. وفي الواقع فقد كان هذا ما حدث مع تشريعات اختراق البيانات؛ إذ وضعت الشروط الصارمة لكاليفورنيا معايير للقطاع بأكمله، وكذلك مع تحديد المسؤوليات في حوادث الانتقام الإباحي فتحركت كاليفورنيا أولًا ثم تبعتها الولايات الأخرى.

ويعني ذلك أن تنوع الإجراءات واللوائح لا يُمثل بالضرورة مشكلةً دائمة. وفي الواقع لا تُسبب قوانين السيارات ذاتية القيادة مشكلات بسبب اختلافها، وإنما بسبب اتفاقها؛ إذ تضع جميعها النموذج الجديد للسيارات ذاتية القيادة في إطار أنظمة ترخيص السيارات التي بدأت قبل مائة عام أو أكثر، دون أن تتعامل جديًا مع جوهر اختلاف السيارات ذاتية القيادة وسر تميزها.

وعند تقييم السيارات ذاتية القيادة وفقًا لطيف التحكم الذاتي أو الاستقلالية الذي تضعه “الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة” الأمريكية، يتضح اهتمام القوانين التي سنتها الولايات بالسيارات بالغة الاستقلال، أي التي يُمكنها قيادة نفسها أغلب الوقت وربما تحتاج إلى تدخل بشري في ظروف استثنائية.

وعلى النقيض من ذلك، لم يُسمح حتى الآن بالسيارات المُستقلة تمامًا التي لا تحتاج إلى سائق من البشر ولا تُوفر أدوات تحكم يستطيع البشر تشغيلها. وفي الطرف الآخر من الطيف تُوجد السيارات “المستقلة جزئيًا” التي تُستخدم بالفعل على الطرق، وتتولى آليًا إنجاز بعض مهام القيادة، لكنها تحتاج إلى شخص مُنتبه كليًا وعلى استعداد للأخذ بزمام التحكم في أية لحظة.

وعلاوةً على مُعالجة القوانين الجديدة التي صاغتها الولايات للسيارات ذاتية القيادة كليًا، فإنها تُركز فقط على الأمور المادية الملموسة، ولم يكن هذا ليُمثل مشكلة حال اقتصرت تهديدات المركبات ذاتية القيادة للسلامة العامة على أخطار الحوادث والإصابات، فحينها ستكفي مُعالجتها كامتداد لتنظيم عمل السيارات في القرن العشرين.

لكن يحظى الاتصال المنطقي بين السائق والسيارة بالقدر نفسه من الأهمية. ويرتبط بعمل السيارات ذاتية القيادة تدفق البيانات الناتج عن الاتصالات المُستمرة في الوقت الحقيقي بين المستخدمين والبيئات المحيطة وبين المستخدمين وجامعي البيانات، وهو أمر شائع في الكثير من تقنيات إنترنت الأشياء.

وبمقدور هذه البيانات الكشف عن تفاصيل شخصية وذات قيمة تجارية ومنها الموقع الجغرافي وعادات القيادة. ويُعتقد أن أجهزة الاستشعار في سيارات “بي إم دبليو” تتمتع بدرجة من التطور تسمح لها بتحديد وجود طفل بين ركاب السيارة. ويسعى وسطاء البيانات إلى مثل هذه المعلومات للاستفادة منها في تقديم عروض مُلائمة للأطفال تدفع الوالدين للتوقف أثناء القيادة.

وبالإضافة إلى حماية الخصوصية، تبرز التهديدات الأمنية. وفي السابق عرض باحثون إمكانية قرصنة أدوات التحكم في السيارات، الأمر الذي أثار مخاوف جدية من تصورات مثل سيطرة أشخاص أو جهات إجرامية على مكابح السيارات أو وظائف التوجيه سواءً للعبث أو كأسلوب في الحروب الإلكترونية.

وعلى الرغم من اتفاق قطاع صناعة السيارات ذاتية القيادة على اتباع أفضل المُمارسات في الحفاظ على خصوصية المعلومات، تغفل القوانين التي سنتها كل ولاية مسائل الخصوصية. وحتى الآن أخفقت اللوائح في مُعالجة أو حتى الإقرار بارتباط خصوصية البيانات والمُشكلات الأمنية بجمع البيانات واستخدامها وتخزينها ونشرها نتيجة استعمال السيارات ذاتية القيادة.

ولم تتناول قوانين الولايات إمكانية وصول أطراف خارجية غير مُصرح لها إلى البيانات، كما لم تتعامل مع التساؤلات المُعتادة للسلامة العامة مثل ما إذا كان ينبغي توافر “أبواب خلفية” لإدارات الشرطة تسمح لها بالتحكم في سيارات الأشخاص المُشتبه بارتكابهم جرائم أثناء عمليات المطاردة.

وصاغت ولاية كاليفورنيا قوانين تتناول قضايا خصوصية المعلومات، وإن كانت بشكلٍ عابر. وتشترط تنبيه الشركات للمستخدمين والحصول على موافقتهم قبل جمعها معلومات لا تلزم لتشغيل السيارات.

ويُعد الاشتراك الإلزامي في جمع البيانات أحد أفضل مُمارسات المحافظة على الخصوصية. وفي عام 2014 تبنت مجموعة من الشركات الرئيسية في صناعة السيارات طوعًا “مبادئ الممارسة العادلة للمعلومات”  Fair Information Practice Principles، وتتضمن التزام الشركات بالشفافية وتنفيذ خيارات المستهلكين وتقليل عملية جمع البيانات والاحتفاظ بها إلى الحد الأدنى والتخلص من المعلومات التي تُتيح تحديد هويات الأشخاص. وتحتاج هذه المبادئ إلى تشديد حماية المعلومات التي يُمكن من خلالها تحديد الأشخاص مثل الموقع الجغرافي وسلوكيات السائقين والبيانات الحيوية أو البيومترية.

ولا تُحقق أفضل الممارسات الطوعية الفائدة المرجوة، فضلًا عن كونها طوعية واشتمالها على قدرٍ من الغموض. وربما تتعهد إحدى الشركات المُصنعة بإخفاء البيانات الدالة على شخصيات المستخدمين مثل أوقات المغادرة ووجهاتهم، بينما تُطبق شركات أخرى معايير مُختلفة، وقد تسمح وفقًا لمعاييرها بإعادة العناصر المُحدِدة لشخصيات المستخدمين. وربما تطلب الشركات موافقة المستخدمين قبل البدء في جمع بياناتهم، لكن سوق الهواتف الذكية يُثبت حصول المستهلكين على تجربة استخدام ناقصة وقاصرة حال رفضوا جمع الشركات لبياناتهم.

وعلى المستوى الفيدرالي، قُدم قانون إلى الكونجرس. وفي ظل توقعات بصدور سياسة فيدرالية مُستقبلًا ألفت مجموعة من شركات التكنولوجيا والسيارات منها “أوبر” و”فورد” و”ليفت” و”جوجل” مجموعة ضغط لصياغة السياسة المُنظمة للسيارات ذاتية القيادة.

ويُوجز ما يحدث حاليًا في مجال السيارات ذاتية القيادة ما جرى بالفعل في تنظيم استخدام الطائرات من دون طيار. وعالجت القوانين التي أصدرتها عدة ولايات أمريكية مسائل مثل تحليق الطائرات بدون طيار أعلى الممتلكات الخاصة ومنشآت البنية التحتية بالغة الأهمية والاستعمالات الحكومية للطائرات بدون طيار والتقاطها الصور.

وصدرت السياسة الفيدرالية على مستوى الولايات المتحدة من “إدارة الطيران الفيدرالية” التي تختص بسلامة الطائرات، مثلما تُعنى “الإدارة الوطنية لسلامة المرور على الطرق السريعة” بأمن السيارات. وصدقت لوائح تنظيم الطائرات بدون طيار من “إدارة الطيران الفيدرالية” التوقعات وعالجات سُبل إصدار تراخيص للطيارين ومنع التصادم بين الطائرات بدون طيار وتداخلها مع رحلات الطيران المدني.

ولم تتطرق هذه اللوائح إلى خصوصية المعلومات والأمن الرقمي، وهي أمور تتجاوز اختصاص “إدارة الطيران الفيدرالية”. وتدخلت وزارة التجارة الأمريكية لملء هذا الفراغ، ونظم مُستشاروها مجموعات متنوعة لمُناقشة الخصوصية في الطائرات بدون طيار.

وفي شهر مايو/أيار الفائت توصلت مجموعات النقاش إلى دليل طوعي يتضمن أفضل المُمارسات المُقترحة. ومع ذلك رفضت بعض الأطراف المُشاركة ومنها “مؤسسة الحدود الإلكترونية” التوقيع على المقترحات، وانتقدتها بسبب ما رأته من خضوعها البالغ لسيطرة الصناعة.

وفي غياب أي قدرة اتحادية على تنظيم خصوصية البيانات والأمن الإلكتروني، من المُرجح أن تُهمل هذه القضايا في أروقة المُشرعين في الولايات وعلى الصعيد الاتحادي. ومع أهمية الجانب المادي في السيارات ذاتية القيادة والطائرات بدون طيار، يجلب الجانب المعلوماتي فيها تغيرات ثورية. وحتى الآن ربما يتوجب الثقة في قدرة هذه الصناعات على تنظيم عملها.