استخدام باراك أوباما للأجهزة الإلكترونية: بين ولع الرئيس والقيود الأمنية

يُمكن اعتبار باراك أوباما الرئيس الأمريكي الأول المُتحمس لثورة التكنولوجيا الشخصية وأدواتها، لكن حرصه على استخدام أحدث الأجهزة الإلكترونية يُواجه تحديات تتعلق بالسرية والأمن، وهما أمران يُمثلان جزءًا لا يتجزأ من الواجبات اليومية لوظيفته على رأس واحدة من أهم دول العالم وأقواها.

وبينما ينظر الكثير من الأشخاص إلى خصائص مثل الكاميرات فائقة الوضوح ومُكبر الصوت القوي والتحديد الدقيق للموقع الجغرافي والاتصال بخدمات الحوسبة السحابية والمزامنة كميزات يتوجب توافرها في الإلكترونيات، فإنها جميعًا تُشكل أخطارًا أمنية مُحتملة بالنسبة لأوباما.

ويتجاوز استخدام أوباما للهواتف الذكية وغيرها مجرد شراءها، بل يعني تقبل تنازلات يفرضها خبراء التكنولوجيا في البيت الأبيض الذين يتولون مهمة تأمين اتصالات الرئيس وكذلك عملاء “الخدمة السرية” المسؤولون عن حمايته، بحسب ما تناول تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية.

وصرح أوباما في عام 2013: “لا يُسمح لي باقتناء (آيفون) لأسباب أمنية”. لكن ذلك لا يعني ابتعاده تمامًا عن منتجات التكنولوجيا الشخصية. ويستخدم أوباما هاتف “بلاكبيري” يتمتع ببعض المزايا الأمنية الخاصة، ويقرأ الوثائق والإحاطات ويُتابع نتائج المباريات الرياضية من شبكة “إي إس بي إن” ESPN الرياضية من خلال حاسبه اللوحي “آيباد”. وكان الرئيس التنفيذي الراحل لشركة “آبل”، ستيف جوبز، قد قدم جهاز “آيباد” إلى أوباما قبل طرحه للجمهور.

وفي الآونة الأخيرة ظهر أوباما مرتديًا سوار “فيت بِت سيرج” Fitbit Surge لمتابعة الننشاط البدني على رسغه الأيسر. ويُبرز موقع “فيت بِت” ميزات رئيسية في الساعة الرياضية “فيتبِت سيرج” منها متابعة الموقع الجغرافي والمزامنة اللاسلكية.

لكن كلا الميزتين قد تُمثل مشكلة للمسؤولين عن أمن أوباما الذين لا يرغبون بطبيعة الحال في نقل الموقع الجغرافي للرئيس وحالته طيلة الوقت. ويُعدد موقع “فيت بِت” ضمن مزايا “فيت بِت سيرج” إمكانية الاتصال عبر البلوتوث، وثمانية أجهزة استشعار يختص أحدها بمتابعة ضربات القلب.

الرئيس الأمريكي باراك أوباما يرتدي سوار "فيت بِت سيرج" خلال لقائه مع رئيس وزراء أيرلندا إندا كيني في مارس 2015

ظهر الرئيس الأمريكي باراك أوباما مرتديًا سوار “فيت بِت سيرج” خلال لقائه مع رئيس وزراء أيرلندا إندا كيني في مارس 2015

ويدفع ذلك للتساؤل عن الميزات التي أبطلها المسؤولون عن أمن الرئيس الأمريكي في ساعته الذكية الرياضية. وبحسب تقرير الصحيفة فقد رفض البيت الأبيض مرارًا التعليق على المسائل الأمنية المُتعلقة باستخدام أوباما للتكنولوجيا، كما لم يرد مسؤولون في شركة “فيت بِت” على طلب الصحيفة معلومات حول استخدام منتجهم.

لكن من خلال تجارب الآخرين في البيت الأبيض يسهل استنتاج أن أوباما لم يتمتع بتجربة نموذجية في استخدام أجهزته الإلكترونية. ويُمكن النظر إلى تجربة الجنرال المتقاعد في القوات البحرية جيمس كارترايت الذي شغل منصب نائب هيئة الأركان المشتركة للجيوش الأمريكية خلال جزء من الولاية الأولى لأوباما.

وكان كارترايت أحد أوائل من أقبلوا على استخدام التكنولوجيا الشخصية بين كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية. وأبدى الجنرال المتقاعد حماسه لإمكانات “آيباد” حين جرى الكشف عن الإصدار الأول للحاسب اللوحي في عام 2010، ورأى فيه وسيلة يسيرة للحصول على المعلومات حول الاجتماعات بالغة السرية.

وقال كارترايت مُتحدثًا عن رؤيته لميزات “آيباد” وقراراه باستخدامه للإطلاع على الوثائق: “إذا لم يكن لأجل أي شيء آخر، فمن الناحية المادية يعفي من الحاجة إلى ملفات ضخمة يحملها أربعة مساعدين لأجلي”. وأضاف: “بمجرد أن رآه الناس يُسارعون بالسؤال: كيف حصلت عليه؟”.

ولم يكن حصول الجنرال كارترايت على “آيباد” بالأمر اليسير، وفي نهاية الأمر حصل على “آيباد” يُمكن اعتباره نموذجًا أوليًا للجهاز الأصلي وخضع لتعديلات كثيرة أجرتها “وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة” والمعروفة اختصارًا باسم “داربا”، وتُمثل الوكالة مختبر أبحاث التكنولوجيا الفائقة التابع لوزاة الدفاع الأمريكية، وأسهم في تطوير ابتكارات مهمة مثل الأقمار الاصطناعية المُخصصة للطقس، ونظام تحديد المواقع العالمي “جي بي إس”، وشبكة الإنترنت، وتكنولوجيا التخفي.

وتضمنت تعديلات “داربا” إزالة الكاميرات ومُكبر الصوت وشريحة الاتصال اللاسلكي وأجهزة استشعار تحديد الموقع الجغرافي. وكانت التقارير تُضاف إلى “آيباد” يوميًا من خلال وصلة آمنة، واعُتمدت الطريقة نفسها إذا ما رغب كارترايت في حفظ بعض الوثائق، وهي طريقة يسميها “التخزين والتفريغ”. وقال أن الأمر انتهى إلى “آيباد” غبي إلى حدٍ كبير، لا يتصل بأي شيء، وأزيلت منه كل الميزات التي تُتيح إرسال البيانات.

ودون تلك التعديلات لم يكن ليُسمح للجنرال كارترايت باصطحاب جهازه “آيباد” إلى غرفة العمليات في البيت الأبيض، وغيرها من الغرف المُؤمنة التي يُطلق عليها Sensitive Compartmented Information Facilities. وتُوجد خارج هذه الغرف سلات يضع فيها العاملون في البيت الأبيض وغيرهم من الحاضرين هواتف “آيفون” الخاصة بهم قبل الدخول.

ورفض كارترايت تحديد ما إذا كان جهاز “آيباد” الخاص بالرئيس أوباما قد خضع للتعديلات ذاتها. ومع ذلك، قال أشخاص على دراية باستخدام أوباما للتكنولوجيا أنه لن يكون من قبيل المبالغة افتراض أنه قد جرى اتخاذ احتياطات مُماثلة لأوباما الذي يُعد القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية.

وسابقًا اعترف أوباما بأن هاتفه “بلاكبيري” مُعزز بميزات أمنية؛ بهدف تخفيف المخاوف من احتمال اعتراض اتصالاته عبر البريد الإلكتروني أو تعرضها للاختراق. وتظل اتصالات أوباما عبر البريد الإلكتروني محدودة للغاية، ويُسمح لعدد قليل جدًا من الأشخاص بإرسال الرسائل إليه.

وحين نشر أوباما تغريدته الأولى من حسابه الشخصي في “تويتر” POTUS@ في شهر مايو/أيار الماضي، استعار هاتف “آيفون” من أحد الموظفين في فريقه عوضًا عن استخدام هاتفه “بلاكبيري” المُؤمن.

وتُعد مثل هذه التدابير ضرورية في عصر تنتشر فيه الهجمات الإلكترونية التي تشتها الدول والجماعات السياسية. وتُشير شكوك إلى قيام قراصنة من الصين بتسريب ملايين السجلات من “مكتب إدارة شؤون الموظفين” الأمريكي. كما يعتقد مسؤولون أمريكيون أن قراصنة روس نجحوا في الوصول إلى شبكة البريد الإلكتروني غير السرية للبيت الأبيض.

ولا يُعتبر أوباما المثال الأول لاتخاذ كبار المسؤولين الأمريكيين تدابير وقائية لمواجهة أخطار التكنولوجيا الفائقة. وفي عام 2007 أوقف ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، الإمكانات اللاسلكية في جهاز “مزيل الرجفان” المزروع في قلبه لتنظيم ضربات القلب؛ خوفًا من احتمال اختراق إرهابيين للإشارات الصادر عنه لمحاولة اغتياله. وهو تصور لا يختلف كثيرًا عما قدمه مسلسل “هوم لاند” Homeland الأمريكي قبل سنوات قليلة من قصة اغتيال مُماثلة لنائب رئيس أمريكي.

ومع ذلك، يظل أوباما أول المهتمين بالتكنولوجيا الشخصية بين الرؤساء الأمريكيين. وفي عام 2014 طلب من قائد طائرته الهليكوبتر الانتظار لإحضار هاتف “بلاكبيري”، وركض عائدًا إلى المكتب البيضاوي لإحضاره. وأثناء تصويره فيديو قصير قبل إلقاء “خطاب حالة الاتحاد” هذا الشهر ظهر بوضوح على المكتب خلفه هاتف “بلاكبيري”، وكذلك سوار “فيت بِت”.

ويقول المقربون من أوباما أنه يتصور تأسيس مكتبة رئاسية تستخدم تكنولوجيا فائقة بعد مغادرته للبيت الأبيض. وخلال لقاءاته مع رؤساء شركات التكنولوجيا العملاقة في وادي السيليكون يُسهب أوباما في الحديث عن سُبل الاستفادة من التكنولوجيا الشخصية لزيادة إقبال الناخبين وتحسين المشاركة المدنية.

ويُمكن رؤية ولع أوباما بالتكنولوجيا والأجهزة الإلكترونية كرغبة في الاتصال طيلة الوقت بالإنترنت لا يختلف فيها عن معظم الأمريكيين، بل والكثير من سكان العالم في الوقت الحاضر. وخلال حواره مع المذيع خورخي راموس في قنوات “يونيفجن” Univision في مارس/آذار 2011 رد أوباما مازحًا على اعتقاد راموس أنه لا يمتلك حاسبًا خاصًا: “أعني، خورخي، أنا رئيس الولايات المتحدة. هل تعتقد أن عليّ استعارة حاسب شخص آخر؟”.

مصدر الصور: 2 1