الآثار الاقتصادية للذكاء الاصطناعي تُحاكي نتائج تطورات سابقة

في منتصف التسعينات كثر الحديث عن انطلاق اقتصاد جديد بفضل تأثير الاتصالات الرقمية، لكن علماء الاقتصاد اعتبروا حينها أن التغيرات الجارية تخضع للمنظور الاقتصادي القديم؛ وستقود التكنولوجيا الرقمية إلى تراجع تكلفة الاتصالات والبحث عن المعلومات وتوسع هذين المجالين والأنشطة ذات الصلة، وهو ما حدث بالفعل.

وفي هذه الأيام يتكرر الحديث عن إطلاق الذكاء الاصطناعي لعهدٍ اقتصادي جديد، ويعتقد علماء الاقتصاد مُجددًا أنه لن يتجاوز القواعد المعروفة؛ إذ أن الثورات التكنولوجية غالبًا ما يصحبها انخفاض تكلفة بعض الأنشطة. ويُركز التحول الاقتصادي هذه المرة على تراجع تكلفة التنبؤات وأسعار السلع والخدمات التي تعتمد عليها في قطاعات كالمواصلات وتجارة التجزئة والطاقة والرعاية الصحية.

ويقود انخفاض تكلفة أي عنصر إلى اتساع نطاق استخدامه في أنشطة جديدة من ناحية، وتصاعد تكلفة العناصر المُكملة لعمله من ناحية أخرى.

ومن المُتوقع أن يزداد استخدام التنبؤات الآلية في أنشطة لم تكن سابقًا جزءًا منها. وحدث ذلك عندما يسَّر تطور أشباه الموصلات ومعالجات الحواسيب إجراء العمليات الحسابية، واسُتخدمت في تطبيقات جديدة مثل اكتشاف الأدوية والموسيقى والتصوير الفوتوغرافي الذي تحول من الأفلام والمواد الكيميائية إلى التصوير الرقمي.

ويصدق ذلك على الذكاء الاصطناعي والتنبؤات الآلية؛ فلن يتسبب رخص تكلفتها في خفض أسعار أنشطة طالما اعتمدت عليها مثل التنبؤ بحجم المبيعات وإدارة المستودعات فحسب، وإنما ستدخل أيضًا إلى مجالات لم تكن أبدًا جزءًا منها مثل قيادة السيارات.

وحتى فترة قريبة ظلت المركبات ذاتية القيادة أو المستقلة حكرًا على بيئات يجري التحكم فيها كالمصانع، وفيها يستطيع المطورون وضع الخوارزميات استنادًا على التنبؤ بمجموعة محددة من التصورات. وكان من شبه المستحيل تصور حركة السيارات ذاتية القيادة في شوارع المدن وفيها عددٌ لا يُحصى من الاحتمالات.

لكن في الآونة الأخيرة اعُتبرت قيادة السيارات سلسلة من التنبؤات، وبدلًا من برمجة تصورات وقواعد شرطية، يتنبأ الذكاء الاصطناعي بسلوكيات السائقين البشر من خلال ربط بيانات أجهزة الاستشعار في السيارة وبيانات عن أسلوب القيادة البشرية، وبذلك صارت التنبؤات جزءًا أساسيًا من علاج مشكلة لم تُسهِم فيها من قبل.

وفي كثيرٍ من الأحيان يُؤثر تهاوي سعر أي عنصر أساسي على بقية العناصر؛ فترتفع قيمة المكونات المُكملة وتتراجع قيمة البدائل. وفي حالة التصوير الفوتوغرافي ارتفعت قيمة العناصر المُكملة للعمليات الحسابية مثل الأجزاء المادية والبرمجيات المتصلة بالكاميرات الرقمية بسبب زيادة الإقبال عليها، وفي الوقت نفسه انهارت أهمية البدائل الأقدم كالمواد الكيميائية المستخدمة في تحميض الصور لضعف الاهتمام بها.

وتتألف جميع الأنشطة البشرية من خمسة مكونات رئيسية هي: البيانات، والتنبؤات، والأحكام، والإجراءات، والنتائج. وتتضح مثلًا في الكشف الطبي، ويُتابع الأطباء حالة المرضى ويُجرون تحليلات وأشعة أي جمع للبيانات، ثم يُشخصون المرض أي التنبؤ بسبب المشكلة، ويُصدرون أحكامًا عبر المقارنة بين البدائل المختلفة للعلاج ومخاطر كل منها، وفي المرحلة التالية تبدأ الإجراءات الفعلية أي العلاج، وأخيرًا تظهر النتائج.

وسيقود تطور الذكاء الاصطناعي إلى تراجع أهمية مهارات التنبؤ لدى البشر بفضل تقديم الخوارزميات والبرمجيات تنبؤات أفضل وأقل تكلفة. لكن ذلك لا يعني تهديد وظائف البشر؛ بل سترتفع قيمة مهارات إصدار الأحكام ويزيد الإقبال عليها باعتبارها عنصرًا مُتممًا للتنبؤات. ومثلًا في الخدمات الطبية سيصير تشخيص الأمراض أيسر وأسرع، ما يعني الحاجة لاتخاذ قرارات أكثر حول العلاج وما يتبعها من تطبيق البشر قواعد أخلاقية وتوفيرهم مساندة عاطفية.

وبطبيعة الحال لا تُقدم هذه الرؤية إجابات تامة عن تطور الذكاء الاصطناعي ومختلف آثاره، لكنها تُشير إلى توسع تأثير التنبؤات ليشمل قطاعات جديدة، وتغير قيمة عناصر أخرى وفقًا لدورها كبدائل أو مُكملات، وستتكشف في المستقبل سرعة هذه التغيرات ومداها.

المصدر

الصورة