الأخطاء ضرورة لتقديم خدمات حكومية ناجحة ومتطورة

تحمل كل فرصة للتطور في داخلها احتمالات فشلها، ومن السهل التخلي عنها لتجنب الفشل، في حين أن الخيار الأصعب والأفضل هو اقتناص الفرص ومُعالجة احتمالات فشلها واستغلالها في تحفيز التطوير والابداع.

وتعتمد الكثير من الشركات والمؤسسات هذه الفلسفة لتقديم منتجات رائعة ينتظرها الملايين حول العالم. وكما كتب رئيس شركة “بيكسار” للرسوم المتحركة، إد كاتمول: “ليست وظيفة الإدارة منع الخطر، وإنما بناء القوة اللازمة للتعافي عند حدوث الفشل”.

لكن لفترة طويلة ظلت الحكومات وبرامجها وخدماتها بمنأى عن هذا الأسلوب؛ بسبب ميراثها العريق من البيروقراطية الذي يُقيد حركتها وقدرتها على مواكبة التغير السريع. وعلى مدار عقود متتالية، لم يكن الإخفاق أو ارتكاب الأخطاء خيارًا مطروحًا في المشروعات الحكومية، واستمر ذلك حتى بعد أن صارت التكنولوجيا عمودًا فقريًا للكثير من الخدمات التي تُقدمها حكومات اليوم.

وبالطبع ليس مسموحًا بخطأ في التعامل مع قنبلة نووية أو خطط حربية، وفي المُقابل هناك الكثير من الأمور الأخرى تُساعد الأخطاء على تطويرها وفتح آفاق الإبداع من أمامها، ولاسيما الخدمات التي تعتمد أساسًا على التكنولوجيا. وفي الوقت الراهن يتزايد إدراك الحكومات على مستوى الدول والإدارات المحلية لأهمية الأخطاء في تحقيق النجاح النهائي المنشود، لكن المهم هو معرفة كيف ومتى تحدث الأخطاء.

وكان التغيير الذي تشهده أساليب الإداراة الحكومية سببًا رئيسيًا وراء اتجاه الحكومات لتقبل بعض المخاطر؛ إذ تضع الحكومات رضا المواطنين وقطاع الأعمال في مركز اهتمامها، كما تهاوت الكثير من الحواجز التي طالما فصلت بين الإدارات المختلفة والمسؤولين والموظفين.

ودفع ذلك كله الحكومات لاتباع نهجًا أكثر مرونة في تطوير خدماتها من خلال تقسيمها لوحدات صغيرة، وتطويرها جزءًا بعد آخر. وكان ذلك منطقيًا في ظل اعتماد أسلوب التصميم الذي يركز على المستهلك النهائي، ويحتاج هذا الأسلوب بطبيعته إلى اختبارات مُتكررة واستمرار التحديثات لتحسين تجربة الاستخدام.

ويتطلب هذا التغيير الجذري من المديرين والموظفين على حدٍ سواء تبني طرقًا جديدة في التفكير تتقبل الأخطاء وتُجيد التعامل مع الإخفاقات، وتعتبرها فرصًا لتقديم حلول مُبتكرة لمشاكل طالما واجهتها الحكومات بطرق تقليدية لم تعُد مجدية في عالم اليوم.

لكن ذلك ليس بالمهمة اليسيرة، وهناك أسباب واضحة ومفهومة وراء الخوف من الإخفاق؛ ومنها نظم المتابعة والمكافأة وتسجيل الفشل، حتى إذا ارتبط بأفكار إبداعية وجريئة، في سجلات الموظفين والإدارات في مُقابل الأمان الذي يُكفله الأداء المتوسط الهادئ.

ويُضاف إلى هذه الأسباب النظرة الإيجابية إلى إنجاز المهام على النحو الصحيح من المحاولة الأولى. ومن الناحية النظرية يبدو تجنب الإخفاق أرخص تكلفةً؛ إذ يقي من فوضى قد تحدث بسبب عيوب طفيفة تقود لاحقًا إلى فشلٍ عام. وحتى في مجال يُثمن المخاطرة مثل تطوير البرمجيات، من المعروف أن الأساليب السريعة والفوضوية مُؤقتة، بينما تدوم التصميمات المتميزة طويلًا.

وبفضل التكنولوجيا اليوم بات من المُمكن تصويب الأخطاء سريعًا وبتكالبف ميسورة، ويصدق ذلك على مهام لا تبدو للوهلة الأولى مرتبطة بالتكنولوجيا مثل تغيير الهيكل التنظيمي لفرق العمل. وقبل نحو عشر سنوات كان من الضروري لمشروعات تكنولوجيا المعلومات توفير البنية التحتية كمراكز البيانات والخوادم في وقتٍ مُبكر، لكن حاليًا أتاحت الحوسبة السحابية آفاقًا واسعة للتغيير، وخيارات متنوعة لبلوغ أفضل الحلول.

واليوم لم تعد الأخطاء أرخص فقط، ولكنها أصبحت ضرورية لمواكبة التغير السريع والمُتواصل في متطلبات المواطنين أو المستخدمين، وفي مشروعات التكنولوجيا الرقمية يُمكن اعتبارها مكونًا لا غنى عنه في النجاح.

المصدر

مصدر الصورة

One Response

  1. عمر عبد الله عمر