الأفكار الجيدة وحدها ليست سبيلًا مضمونًا إلى الابتكار

ترى أغلب المؤسسات أن الابتكار يبدأ بإيجاد الكثير من الأفكار الجديدة تمامًا ثم تحويلها إلى منتجات وأنظمة، لكن في الواقع لا يتأخر الابتكار لنقص العدد الكافي من الأفكار، وإنما بسبب إغفال المؤسسات ملاحظة ما لديها من أفكار وبذور لابتكارات جيدة.

ويعني ذلك أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب الأفكار، وإنما في إدراك المُميز منها وتطويرها مُبكرًا. ويتجلى ذلك مثلًا في قصة شركة “كوداك”، وابتكرت الشركة الكاميرا الرقمية الأولى في عام 1975 دون أن تُتابع الفكرة، كما لم تتنبه لتطوير “سوني” نموذج أولي مختلف وسيطرتها على مستقبل التصوير الرقمي.

وكذلك طورت شركة “زيروكس” الحاسب الشخصي الأول، لكنها لم تستثمر ما يكفي لتحويل التكنولوجيا إلى منتج فعلي، ما سمح لشركة “آبل” باقتناص الفرصة. وفي مثال آخر رفضت البحرية الأمريكية ثلاثة عشر اقتراحًا من ويليام إس. سيمز بشأن طريقة مُبتَكرة لإطلاق النار، وجرى إقرارها بعد تقديمه الفكرة إلى الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت.

ولا تُشير هذه الأمثلة إلى إخفاق أشخاص أذكياء وشركات عريقة فحسب، بل تعكس أيضًا تحيزًا سلبيًا وشائعًا ضد الأفكار المبتكرة عند وجود قدر ضئيل من عدم اليقين. وهو أمر قد يُفسر رفض الكثير من الابتكارات المُميزة في البداية، كما تتأكد أهمية الانتباه إليه في الوقت الراهن في ظل التغييرات المتلاحقة والشكوك التي لا يسلم منها أي قطاع.

وتلعب الشكوك والتطورات السريعة دورًا مزدوجًا؛ وبينما تُشجع المؤسسات على الابتكار، ففي الوقت نفسه تقود المسؤولين إلى إهمال أو رفض اكتشافات من شأنها تحقيق ميزة تنافسية، ما يقود إلى قتل سريع لأفكار قد تكفل ازدهار المؤسسات.

ومن بين الحلول المُمكنة لهذه المعضلة تغيير الهيكل الذي تمر الأفكار خلاله وصولًا إلى إقرارها، وعوضًا عن البنية الهرمية التقليدية وتقدم الموظفين باقتراحاتهم إلى الأقسام المختصة أو الإدارة، تتوسع عملية دراسة الأفكار وإقرارها لتشمل المؤسسة بأكملها ويُشارك فيها الجميع.

واعتمدت هذا الأسلوب شركة “ريت-سوليشونز” Rite-Solutions للبرمجيات منذ عقد تقريبًا، وأسست ما أطلقت عليه “سوق الأفكار”، وأتاحت لموظفيها المشاركة بأفكارهم كأسهم مالية في السوق، ومنحت كلًا منهم عشرة آلاف دولار كعملة افتراضية لاستثمارها في الأفكار التي تروق لهم، كما يستطيع الموظفون التطوع بالعمل لمساندة أية فكرة، وفي حال نالت القدر الكافي من المساندة وأقُرت كمشروع يحصل الموظفون الذين ساندوها على نصيبٍ من أرباح المشروع.

وخلال أعوام قليلة حقق البرنامج مكاسب ضخمة لشركة “ريت-سوليشونز” تتراوح بين إقرار تغييرات تدريجية طفيفة وحتى تقديم منتجات في قطاعات جديدة كليًا، كما يُنسب إليه الفضل في نصف نمو الأعمال الجديدة في الشركة خلال العام الأول من تطبيقه.

وعلاوةً على الإيرادات المالية، غيّر سوق الأفكار ثقافة تقبل الابتكارات الجديدة وتطويرها لتشمل الجميع، ووسمها بطابعٍ ديمقراطي. وتقوم هذه الثقافة أساسًا على افتراض أن لدى كل شخص أفكار رائعة، ولذلك من المهم السماح بطرحها وتحسينها واختيار الأفضل منها. وتُشير التجربة إلى أن إهمال الأفكار المطروحة هو ما يُعيق الابتكار وليس نقص الأفكار الجديدة.

المصدر

الصورة