الإدارة الذكية للطاقة ضرورة لإنشاء مدن ذكية وصديقة للبيئة

تتسبب المدن حاليًا في 40% من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون في العالم بحسب “الوكالة الدولية للطاقة”، وهو وضع لا يتوجب استمراره مستقبلًا؛ إذ يُمكن بالاستفادة من التكنولوجيا الحالية إنشاء مدن ومبان ذكية ومُتصلة تنتج الطاقة بدلًا من أن تستهلكها.

وتوصلت أبحاث “مؤسسة إيلين ماك آرثر” الخيرية إلى أن بمقدور التقنيات الذكية لإدارة الطاقة وسواها من مبادرات الاقتصاد الدائري المساعدة في إنشاء مباني تُنتج الطاقة بدلًا من استهلاكها، وخلص تقريرها العام الماضي إلى إمكانية تقليل استهلاك المباني من الطاقة بنسبة تتراوح بين 25 إلى 40% دون التقليل من معدلات النمو.

ويتطلب أي تغيير طموح لأنظمة الطاقة إعادة النظر في تكامل المباني واتصالها معًا، وربما يعتمد على البحث عن طرق جديدة لتحقيق الكفاءة في استخدام الطاقة. وفي الأصل يرجع مفهوم المباني المُتصلة ببعضها البعض إلى خمسة آلاف عام مضت، وحينها قدمت حضارات وادي السند في آسيا النماذج الأولية لشبكات الصرف الصحي، ووفرت المياه العذبة للمنازل. ولاحقًا أتاح تخطيط المدن اليونانية والرومانية للسكان المياه النظيفة، كما نُقلت على امتداد مسافات كبيرة.

ويُؤشر ذلك على الارتباط الوثيق بين المياه والطاقة؛ إذ لا يُمكن إنجاز مدن ذكية وصالحة للعيش دون توفير مياه عذبة ومُعالجة فعّالة لمياه الصرف الصحي. وفي الوقت الراهن تُعد منشآت المياه ومُعالجة مياه الصرف من بين القطاعات الأكثر استهلاكًا للطاقة، ولذلك كانت المياه ومُعالجة مياه المجاري أحد المُؤشرات الأولى على المدن الرئيسية، كما لعبت دورًا محوريًا في إنشاء مناطق حضرية ومُستدامة.

وخلال القرن التاسع عشر ابتكر توماس أديسون وشركاؤه ما تحول لاحقًا إلى شبكات الكهرباء. ومن خلال ربط الكهرباء والمياه وُلدت المدينة العصرية. ومنذ سنوات أدرك البشر أن تلبية الاحتياجات من المياه ومُعالجة الصرف الصحي والتدفئة والتبريد والكهرباء يتم على نحوٍ أكثر كفاءة عند ربطهم سويًا.

وربما يعتقد البعض أن توفير الاتصال بشبكة الإنترنت في المباني والمرافق ضمن ما يُعرف بإنترنت الأشياء هو ما يتطلبه بناء المدينة الذكية، لكن الواقع أن المدن بحاجة إلى طريقة جديدة للتفكير وربط المياه والتدفئة والتبريد والكهرباء في محادثة ذكية مُتبادلة، وبدون شك سيكون لتكنولوجيا الإنترنت دورًا أساسيًا، لكن كعامل مُساعد.

ولذلك فمن المهم تغيير طريقة التفكير الحالية والتركيز على إيجاد حلول شاملة وفعّالة من ناحية التكلفة تتضمن تعاونًا بين مختلف القطاعات. ويتطلب جني فوائد المباني الذكية المُتصلة بالإنترنت ثلاثة عناصر: دمج المياه ومُعالجة الصرف الصحي والتدفئة والتبريد والكهرباء في نظامٍ واحد، والمرونة من خلال التسعير الذكي والتعامل مع الطلب المُتغير، وربط الأشخاص عبر مختلف القطاعات.

مرافق المياه لإنتاج التدفئة والكهرباء

يُمكن تعزيز الكفاءة العامة والربط الفعلي بين المباني من خلال الاستفادة من تقنيات قائمة بالفعل وتوظيف الإنتاج المُتقلب من الطاقة عبر الشمس والرياح، ومن أمثلة ذلك ما يجري في مدينة أرهوس في الدنمارك، وهناك تحصل مرافق المياه ومُعالجة مياه الصرف على نسبة تتراوح بين 25 إلى 40% من الاستهلاك الكلي للطاقة.

وتُدير مدينة أرهوس مرفق المياه الأكثر كفاءة من ناحية استهلاك الطاقة، وتُنتج منشأة معالجة الصرف الصحي طاقة تفوق ما تحتاجه بنسبة 90%، أي أنها لا تُوفر فقط في استهلاك الطاقة، وإنما تُنتجها أيضًا. وتحقق ذلك من خلال الاتصال المُتبادل مع المباني المجاورة التي تنقل إليها منشأة معالجة الصرف الصحي التدفئة الفائضة، وتبيع الطاقة الكهربائية إلى الشبكة المركزية.

ويُمكن تصور زيادة الكفاءة من خلال مُزامنة الإنتاج وتوزيع المياه ومُعالجة المياه العادمة مع الأحمال القصوى على شبكات الكهرباء خلال فترات الذروة وتذبذب مقدار الطاقة الناتجة من المصادر المتجددة مثل الرياح والشمس. وفي ظل تزايد توليد الطاقة من المصادر المتجددة في الدنمارك و ألمانيا وأسبانيا وأجراءٍ من الولايات المتحدة الأمريكية، يُمكن لمرافق المياه أن تُؤدي دوري التخزين والاستجابة للطلب.

المتاجر المركزية العمود الفقري للمدن الذكية

ربما تُقدم المتاجر الكبيرة أو المركزية “سوبرماركت” فرصةً مهمة لتطوير المدن الذكية. وفي الوقت الحاضر يحتاج تبريد الأطعمة قدرًا كبيرًا من الطاقة، وفي ألمانيا مثلًا يستحوذ التبريد على 3% من مجموع الطاقة الكهربائية. وبالإضافة إلى استهلاك الكهرباء، يُخلف التبريد كميات كبيرة من الحرارة، وبالتالي تُمثل استعادة تلك الحرارة مشكلة أخرى للآلاف من المتاجر الكبيرة.

وتُظهِر مشروعات قائمة دور الحرارة المُستعادة في توفير التدفئة للمتجر ذاته بالإضافة إلى مبان مجاورة شريطة اتصالها معًا. وعلاوةً على ذلك، تتوافر معدات التبريد الحديثة على إمكانية الاستجابة للطلب، ويُمكنها الإسهام في تخفيض الأحمال القصوى، وتعزيز كفاءة مصادر الطاقة المتقلبة مثل الرياح الشمس.

ويُفيد ذلك مختلف الأطراف؛ فتلمس المتاجر الكبيرة انخفاضًا في فاتورة الطاقة الكهربائية، وتستفيد شبكات الكهرباء ومنتجو الطاقة من تراجع الأحمال في أوقات الذروة من خلال تقليل الطلب على التبريد، وتخزين الطاقة المتجددة، الأمر الذي يُضيف مزيدًا من المرونة والكفاءة. ويتطلب تنفيذ ذلك الاتصال والتعاون وإطار عمل تنظيمي يُواكب ابتكارات المستقبل.

التفكير الذكي لإنجاز المدن الذكية

فيما يتعلق بالمباني السكنية ومكاتب العمل، يزيد استخدام تكنولوجيا الطاقة الذكية لتعزيز الاتصال من التكامل والتوازن بين المصادر المتنوعة لإنتاج الطاقة ومنها المتجددة والطاقة الحرارية الأرضية والرياح والشمس، إلى جانب المصادر التقليدية لتوليد الطاقة. ومن شأن ذلك زيادة مرونة النظام العام وتقليل الأحمال في فترات الذروة من خلال المباني والمتاجر المتصلة، ما يُوفر على المدن العصرية تكاليف ضخمة في الاستثمار المُسبق وعلى أساسٍ يومي.

ويتطلب ذلك ضمان تجهيز المباني الجديدة بأحدث تكنولوجيا للتدفئة والتبريد والتهوية، بالإضافة إلى تكنولوجيا تتوافق مع الإيقاع اليومي لسكان المباني، وتُؤمن درجة الحرارة المناسبة والراحة سواءً في المنازل أو المكاتب، وفي الوقت ذاته لا تُهدر الطاقة على التدفئة والتبريد دون حاجة. وستزيد خدمات الإنترنت والمراقبة من الراحة وسهولة الاستخدام.

وعمومًا يُمكن لاتصالات الإنترنت المساعدة في مراقبة أداء شبكات الطاقة واكتشاف الأعطال وتقديم تحذيرات مُبكرة بالحاجة إلى الصيانة، الأمر الذي يُوفر الطاقة والمال، ويسمح بإنشاء نماذج عمل جديدة تستفيد من التوفير في الطاقة ماليًا، ويصدق الأمر نفسه على مساعدة البيانات الضخمة في التخطيط لأنظمة المياه والطاقة على نحوٍ أفضل وأكثر ذكاءً.

وفي واقع الأمر تُوجد فرص هائلة للاستفادة من المباني الذكية والمتصلة، ما يسمح بالوصول إلى مدن أكثر كفاءة. ولا يُمكن تحقيق ذلك من خلال اتصالات الإنترنت وحدها، بل يحتاج الأمر بالضرورة إلى استخدام ذكي للمياه والتدفئة والتبريد والكهرباء، ما سيُساعد في التكيف مع تذبذب إنتاج الطاقة؛ إذ أن المدن الذكية تبررز من وسط التفكير الذكي.

المصدر والصورة