الإدارة والتوظيف في أوقات الأزمات

في ظل الأزمات والتقلبات التي تعصف بالعالم على مستوى السياسة والاقتصاد والتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية السريعة أثبتت الخبرات المتراكمة أهمية التخطيط الهادئ على المدى الطويل والاستفادة من التجارب السابقة والتطلع إلى المستقبل، ولاسيما فيما يتعلق بتوظيف أفضل الكفاءات والاستثمار في الموارد البشرية.

وقيّمت دراسة أجراها باحثون في “كلية هارفارد للأعمال” أداء 4700 شركة خلال ثلاث فترات للركود الاقتصادي، وخلصت إلى نجاح 9% منها فقط في الوصول إلى مكانة أفضل في نهاية مرحلة الركود، واجتمعت الشركات الناجحة على التفكير التقدمي والعناية الفائقة في اتخاذ قرارات تقليص الاستثمارات والتيقظ الدائم للفرص واقتناصها.

ويدعم هذه النتيجة تجربة شركة “هيوليت باكارد” أو “إتش بي” الأمريكية خلال أعوامها الأولى؛ إذ كانت نهاية العقد الرابع من القرن العشرين بعد حرب عالمية طاحنة وقتًا عصيبًا لشركة تصينع المعدات الإلكترونية الناشئة حينها التي صارت لاحقًا واحدة من أهم شركات التكنولوجيا. وحينها اقتنص مؤسسا الشركة، بيل هيوليت وديف باكارد، فرصة توظيف الكثير من المهندسين المتميزين بعد إغلاق مختبرات تابعة للجيش الأمريكي.

وحين سُئل هيوليت وباكارد عن كيفية تحمل الشركة تكاليف ضم موظفين جدد في فترة انكماش اقتصادي وصعوبات مالية، أجابا أن الشركة لم تكن لتتحمل خسارة فرصتها في توظيف هذه الكفاءات. وعلى مدار أعوام دائمًا ما فسر الشريكان نجاح “هيوليد باركارد” باستعدادها لتوظيف الأشخاص المناسبين بغض النظر عن المناخ الاقتصادي العام.

وكان لشركة “إيجون زيندر” Egon Zehnder المتخصصة في توظيف المديرين التنفيذيين والمستويات الإدارية العليا تجربة مماثلة مع بداية القرن الحادي والعشرين وانهيار الكثير من شركات التكنولوجيا الناشئة أو ما عُرف باسم “فقاعة الدوت كوم”، وحينها تراجع سعي المؤسسات لاجتذاب الكفاءات الإدارية وهو مجال عمل “إيجون زيندر” ما أدى إلى تقلص هوامش أرباحها، وزادت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 وحربيّ أفغانستان والعراق الوضع سوءًا.

وبينما استجابت أغلب الشركات لهذه الأزمات بحلول قصيرة المدى وخفضت أعداد موظفيها، واصلت الشركة ضم أفضل المستشارين والشركاء. وبعد تحسن الحالة الاقتصادية كانت في وضع أفضل كثيرًا من غيرها، ونمت بنسبة 150% على مدار ستة أعوام ورفعت أرباحها وتجنبت الخسائر، واقترب حجمها من أكبر منافسيها.

وخلال الأزمة المالية التالية في عام 2008 أجرت “مجموعة بوسطن للاستشارات” دراسة بالاشتراك مع “الجمعية الأوروبية لإدارة الأشخاص”، وجمعت إجابات 3400 مسؤول تنفيذي من أكثر من ثلاثين بلدًا ومنهم مسؤولون عن إدارة الموارد البشرية حول أسلوب تعاملهم مع الركود الاقتصادي. واتفق كثيرٌ منهم على الحد من تعيين الموظفين الجدد، وفي الوقت نفسه أقر المشاركون بأن أكثر الأساليب فعالية في مواجهة الأزمات الاقتصادية السابقة كانت اجتذاب موظفين يتمتعون بأداءٍ مرتفع من منافسيهم.

وفي ضوء الظروف الحالية يتعين على قادة المؤسسات تذكر دروس الماضي والتفكير الهادئ في خطط المستقبل القريب والبعيد.

المصدر

الصورة