الإنسانية شرط لنجاح المنظمات في عصر الذكاء الاصطناعي

شهد العالم تغيرات جذرية مُتلاحقة يُحاول الأفراد والمُؤسسات مُواكبتها، وفي شهر يناير/كانون الثاني الماضي وصف المؤسس والرئيس التنفيذي للمنتدى الاقتصادي العالمي، كلاوس شواب، هذا الانقلاب الاقتصادي والثقافي بالثورة الصناعية الرابعة، لافتًا إلى تراجع الحدود الفاصلة بين العوالم المادية والرقمية وضبابية الاختلافات بين البشر والآلات.

وفي وقتٍ تصير فيه الآلات أكثر ذكاءً لا يُواجه البشر تأثيراتها على الوظائف فقط، وإنما يكمن التحدي الأخطر فيما يعنيه إمكانية استبدال الجنس البشري كنوع. وتحمل تطورات الذكاء الاصطناعي سؤالًا فلسفيًا وشخصيًا يتعلق بأسباب تميز فرد محدد أو البشر عمومًا.

وتتضاءل أمام الثورة الراهنة الثورات الصناعية السابقة، وتُشبه في نطاقها وتأثيراتها الثورة العلمية خلال القرن السادس عشر التي غيرت فهم البشر لأنفسهم وعالمهم، وألهمت كثيرين لطرح أسئلة جريئة وعميقة حول طبيعة الإنسانية وطرق تنظيم المجتمعات وإدارتها.

ولا تفرض الثورة الحالية مجرد إعادة التفكير في بنية الصناعات والمؤسسات، لكنها تستلزم أيضًا إقامة أنظمة جديدة تُركز على الجانب الإنساني وتتعامل مع آثار التغيير. كما ينبغي التحلي بالشجاعة لتعريف الإنسان في عصر الآلة والبحث عما يُحقق إنسانية المنظمات سواءً كانت حكومية أو غير حكومية أو شركات.

وفي الوقت الراهن تتحول الدول الناضجة من الاقتصاد القائم على المعرفة إلى اقتصادات تعتمد على الإنسانية. ويحتاج ذلك توفير مجال أمام البشر للتفكير والارتباط مُجددًا بقيمهم الأساسية، ومواجهة المشكلات مُسلحين بمبادئ النزاهة والشجاعة والتواضع، وإعادة التفكير في افتراضاتهم والتعامل مع المشكلات بطرق مُبتكَرة.

ويستطيع البشر وحدهم دعم الأخلاق والخيال والرحمة والتعاطف والإحساس بالآخرين وتصميم تكنولوجيا تستهدف أولًا ارتقاء الإنسانية وليس تحقيق سيادة طرف ودمار بقية العالم. وأثبتت تطورات التكنولوجيا وتأثيرها على سوق العمل الحاجة إلى تعليم إنساني.

وبحسب ما كتب الرئيس التنفيذي لشركة “مايكروسوفت”، ساتيا ناديلا، فإن أطفالنا والأجيال التالية يحتاجون من أجل الاحتفاظ بأهميتهم واتصالهم بالعصر إلى التعاطف والأخلاقيات والقدرة على إدراك أفكار الآخرين ومشاعرهم. ويضمن تطبيق القيم ومبادئ التصميم الصحيحة والاستعداد بالمهارات اللازمة ازدهار البشر والمجتمعات.

وبينما تنجح الآلات والروبوتات في إنجاز المهام المُسندة إليها، يستطيع البشر دون غيرهم تحسين تلك المهام وتطويرها. ويُقيّم أداء الآلات وفق معايير مُحددة، في مُقابل تركيز البشر فقط على معايير مثل التعاون وبناء الثقة والابتكار والتكيف مع التغيرات.

وتوصلت دراسة أعدتها شركة “إل آر إن” LRN، التي تُقدم استشارات للمنظمات حول أخلاقيات التنظيم والقيادة، إلى قدرة المنظمات التي تهتم باستقلال الموظفين ومرونة العمل على تحقيق أفضل النتائج في ظروف العمل الجديدة.

وحددت الدراسة ثلاثة أساليب للمنظمات تشمل؛ الطاعة العمياء أو المطلقة، والاستجابة المُستنيرة أو بناءً على علم الموظفين، وأسلوب الاستقلال والحكم الذاتي.

ويعتمد أسلوب الطاعة العمياء على مبادئ الأمر والتحكم والمُراقبة، وفي هذا النظام يُتوقَع من الموظفين اتباع قواعد مُحددة ويُعاقبون عند الإخفاق في الالتزام بها، ولا يهتم كثيرًا بتكوين علاقات بين الموظفين وبعضهم البعض ومع المستهلكين وفي المجتمع ككل. ووفقًا لهذا الأسلوب يُعامل البشر كما لو كانوا أقرب إلى الآلات.

أما المنظمات التي تعتمد أسلوب الموافقة المستنيرة فتعمل من خلال تسلسل هرمي وتقديم المكافآت والعقوبات استنادًا على أداء الموظفين. وكثيرًا ما تتخلى عن أهدافها طويلة المدى لمواجهة التحديات على المدى القصير. وتُعامِل البشر كآلات مُعقدة ومُتكيفة.

وفي أسلوب الحكم الذاتي تحتل الإنسانية مكانةً مركزية، ويُركز على بلوغ أهداف على المدى الطويل وتحقيق أداء مُستدام مُستلهمًا من قيم وأخلاقيات مُشتركة. ويُعد الاستقلال والتحكم الذاتي صفةً بشرية فريدة لا تتمتع بها الآلات بعكس الطاعة العمياء والاستجابة عن علم. ولذلك تُعتبر المنظمات التي تتبع هذا النهج هي الأكثر إنسانية بين مختلف الفئات بمنحها القيم الإنسانية مثل الراقية مثل التعاطف والإبداع مساحةً للازدهار.

ولفتت الدراسة إلى تفوق هذه المنظمات على غيرها؛ فمن المُرجح أن تزيد معدلات أداءها عن غيرها ثلاث مرات فيما يخص نمو القيمة السوقية ورضا المستهلكين والابتكار والاستدامة التجارية ومشاركة الموظفين.

المصدر

مصدر الصورة

One Response

  1. عمر عبد الله عمر