الاهتمام بالإنتاجية بدلًا من الكفاءة سبيلٌ إلى النمو

في كثيرٍ من الأحيان يعتبر المديرون وقادة المؤسسات أن الكفاءة والإنتاجية مترادفان، أو وجهان لنفس العملة. لكن في الواقع يختلف المفهومان كثيرًا. وفي المراحل التي تسعى فيها المؤسسات إلى الابتكار وتحقيق النمو المُربح يتعين عليها الاهتمام بتعزيز الإنتاجية وتخطي العقبات التي تعترضها. وتختلف هذه الرؤية عن التركيز المستمر على الكفاءة الذي ميّز التفكير الإداري طيلة العقود الثلاث الماضية.

وبحسب التعريف الشائع لكفاءة العمل فتعني عدد ساعات العمل اللازمة لإنجاز مهمة محددة عند مقارنتها بالمعيار السائد في ذلك القطاع. وتعتمد الطريقة المُعتادة لتقييم الكفاءة على مُقارنة عدد الساعات التي استغرقها التوصل إلى منتج أو خدمة معينة مع المقدار الذي يحتاجه هذا الغرض عادةً.

ويُقصد بالكفاءة إنجاز المهمة ذاتها باستخدام قدر أقل من الموارد. وغالبًا ما تعمل الشركات على تحسين الكفاءة من خلال تقليل ساعات العمل اللازمة للتوصل إلى النتيجة المُرجوة، وبالتالي تستفيد من تحقيق وفورات وتخفيض تكاليف الأجور وغيرها من نفقات العمالة، أي أن الكفاءة تختص بتقليص المدخلات كمصاريف التشغيل وساعات العمل في مسعى لتحسين الأرباح.

أما الإنتاجية فتعني، بحسب تعريفها الشائع، نسبة النتائج من السلع والخدمات إلى ساعات العمل المُخصصة للتوصل لهذه النتائج. وعادةً ما تُقاس بمقارنة البضائع والخدمات الناتجة مع المدخلات المستخدمة، وتعني القيام بالمزيد اعتمادًا على القدر نفسه من المدخلات.

وبالنسبة للدول ترتبط الإنتاجية بمستويات المعيشة، وفي الشركات ترتبط بالأداء، ويجري تقييم نمو إنتاجية العاملين بقياس التغيير في النتائج مقابل ساعات العمل في فترةٍ محددة. وخلافًا للكفاءة تعني الإنتاجية زيادة الناتج بواسطة نفس القوى العاملة كسبيلٍ لزيادة النمو الإجمالي للمبيعات والعائدات.

وخلال أغلب العقود الثلاث الماضية اتبعت قيادات المؤسسات أسلوب الكفاءة في إدارة الأعمال، واستعانوا بأدوات مختلفة لإعادة هندسة العمليات واكتشاف أوجه الإهدار. وغالبًا ما تتجلى مكاسب الكفاءة نتيجةً لتخفيض أعداد الموظفين.

وفي الوقت الحاضر تحتاج الإدارة إلى نظرة مختلفة في ظل تراجع فوائد الكفاءة. وخلال التسعينيات ومطلع الألفية الجديدة ركزت القيادات على الكفاءة التي حققت نتائج إيجابية، وبلغ نمو أرباح شركات “مؤشر إس آند بي” لأكبر الشركات الأمريكية في بورصة نيويورك ثلاث مرات معدل التضخم في تلك الفترة، على الرغم من النمو الاجمالي الفاتر في كثيرٍ من السنوات. لكن ابتداءً من الربع المالي المنتهي في آخر مارس/آذار 2015 تراجعت أرباحها واستمر النمو السلبي للعائدات منذ ذلك الحين.

وإذا كانت الأساليب الرامية إلى تحقيق الكفاءة أخفقت في تحسين الأداء، ربما تكون الإنتاجية حلًا أفضل. وأجرت شركة “باين آند كومباني” للاستشارات دراسة حول إنتاجية القوى العاملة والأداء، وتضمنت استطلاعًا لآراء 300 مدير بارز في شركات كبيرة حول العالم، ومراجعات تنظيمية لتحديد الخطوات التي تستطيع الشركات القيام بها لإطلاق إمكانات فرق العمل وتسريع النمو. وأبرزت الدراسة ثلاثة مبادئ للتركيز على الإنتاجية:

1. إزالة المعوقات أمام إنتاجية الموظفين:

خلصت الدراسة إلى خسارة الشركات في المتوسط 20% من قدرتها الإنتاجية أي ما يزيد عن يوم من كل أسبوع بسبب المعوقات التنظيمية أي البنى والعمليات التي تستهلك وقتًا ثمينًا يمنع الموظفين من إنجاز عملهم، ويُطلق عليها السحب التنظيمي organizational drag.

وتسعى عقلية الإنتاجية إلى الحد من هذه المعوقات في كل منعطف، وتبسيط العمل والتوفيق بين نموذج التشغيل والمصادر الحقيقية للقيمة، بالإضافة إلى محاربة البيروقراطية وابتكار أساليب تسمح للموظفين بتركيز وقتهم على تقديم قيمة نافعة للمستهلكين والمستثمرين.

2. الاستفادة من المواهب الاستثنائية أو صُناع التغيير:

تُنفق الشركات أموالًا طائلة في حربها لاجتذاب أفضل الكفاءات، لكنها تُخصص قدرًا أقل من الاهتمام والموارد للحفاظ عليها. وبينت الدراسة أن 15% من القوى العاملة في الشركات هم من “النجوم” أو موظفين يُقدمون أداءًا استثنائيًا ويُمكنهم التأثير على تنفيذ الاستراتيجية، ويصدق ذلك على أفضل الشركات والأخرى ذات المستوى الأقل. ويسعى القادة المهتمون بالإنتاجية إلى تكليف أفضل الموظفين بمهام رئيسية ومُؤثرة، الأمر الذي يسمح بإنتاج أكثر وأفضل وتنفيذ أفضل وأسرع للخطط الاستراتيجية.

3. إلهام العاملين واستنفار طاقاتهم:

بمقدور جميع الموظفين تقريبًا تحسين أداءهم، لكن كثيرين لا يستثمرون ما يكفي من الإبداع والابتكار، ويحتاجون إلى التحفيز من قيادات مُلهِمة. وكنتيجة لذلك تزيد إنتاجية الموظفين الملهمين بنسبة 125% عن غيرهم الذين يشعروا بالرضا فحسب، أي ينتجون بما يُعادل 2.25 موظف.

ويبذل المديرون المهتمون بالإنتاجية ما في وسعهم للاستفادة من طاقات كل موظف، ويسعون للمواءمة بين أهداف المؤسسة وغايات كل فرد، والاستثمار في تحسين قدرات المدرين من مختلف المستويات على القيادة المُلهِمة، وبناء ثقافة تدعم الاستقلال والمحاسبة وتُهيئ لكل موظف تقديم أفضل ما لديه. وبينما قد لا تُفلح هذه الخطوات في إلهام جميع الموظفين للتطوير، إلا أنها تُعزز إنتاجية العاملين عمومًا.

وتُؤثر هذه المبادئ على أسلوب القادة في إدارة مواردهم المحدودة كالوقت والقوى العاملة. وفي حين يُمثل اعتماد عقلية الإنتاجية تحديًا فإنه يُثمر نتائج لافتة. وخلص البحث إلى أن إنتاجية أفضل الشركات تزيد عن غيرها بنسبة 40%، وتقود هذه الزيادة إلى ارتفاع الأرباح وتحقيق نمو أسرع.

وخلال العقد المُقبل سيكون على القادة تبني عقلية الإنتاجية، وبدلًا من التركيز المُتواصل على خفض العمالة ينبغي عليهم تعزيز النتائج عبر التخلص المُنظَم من المعوقات التي تعترض سبيل الإنتاجية، والاستفادة الاستراتيجية من الكفاءات البشرية، وإلهام قطاعات واسعة من القوى العاملة.

المصدر

الصورة