البيانات التاريخية لا تضمن دائمًا دقة التنبؤات

حين أعلن دونالد ترامب للمرة الأولى ترشحه لانتخابات الرئاسة الأمريكية قال أغلب المحللين أن لديه فرصةً ضئيلة للغاية للفوز بترشيح الحزب الجمهوري، واستندت رؤيتهم على البيانات التاريخية عن المرشحين السابقين مثل خلفيتهم العملية وتمتعهم بدعم قطاعات واسعة من الحزب. ويعتمد هذا الأسلوب على افتراض أن الأمر المطلوب التنبؤ به، وفي هذه الحالة ترامب، يُشبه السوابق التاريخية أي المرشحين السابقين، لكن صعود ترامب وفوزه بانتخابات الرئاسة بيّن أنه في بعض الحالات لا يكون للبيانات التاريخية المباشرة فائدةً كبيرة. (اقرأ أيضًا: لماذا فشلت استطلاعات الرأي في التنبؤ بفوز ترامب؟)

ويستخدم المحللون السياسيون استطلاعات الرأي لتقدير فرص فوز كل مرشح، لكنها لا تسلم من العيوب مثل إحجام بعض الفئات عن المشاركة فيها وتغير الإقبال على التصويت واختيارها بين إجراء المقابلات عبر الهواتف الثابتة أو المحمولة. ويُحاول علماء الإحصاء تصويب أخطاء الاستطلاعات بالاستعانة ببيانات انتخابات سابقة، ويفترضون أن كلًا من الاستطلاعات الحالية والقديمة تُعاني من الأخطاء نفسها، وهو افتراض قد يصدق في بعض الأحيان ويُخطئ في أخرى.

ويُشير ذلك إلى مشكلتين هما؛ الاعتماد على بيانات تاريخية والعينة الصغيرة من البيانات. وتتفاقم حدة المشكلتان في الانتخابات الرئاسية باعتبارها حدث نادر إلى حدٍ ما يتكرر كل بضعة أعوام، وبالتالي هناك عينة صغيرة الحجم وقديمة نسبيًا.

ويُواجه القطاع الخاص نفس المشكلة عند محاولة التنبؤ بأحداث غير متوقعة أو الاعتماد على بيانات خاطئة وغير مكتملة. وفي مثل هذه الظروف لا يكمن الحل في الذكاء الاصطناعي وحده؛ لأن أساليب التنقيب الإحصائية وخوارزميات تعلم الآلة تقوم على افتراض التشابه بين البيانات القديمة المستخدمة في تدريبها والبيانات المستهدفة.

ويحتاج خبراء الإحصاء لإثراء نماذج التنبؤ ببيانات من مجالات مشابهة تُعبر عن الاتجاهات الحالية على نحوٍ أفضل، وهو ما يُعرف باسم “تعلم النقل” Transfer Learning، ويعني تحديد خوارزميات لمجالات المعرفة المتصلة بالمجال المستهدف والتي يُمكن نقلها واستخدامها في تدريب النموذج.

وتُحدد هذه الخوارزميات القواسم المشتركة بين مهمة التنبؤ الجديدة والمهام السابقة والمشابهة والجديدة، وتُوجه النموذج إلى التعلم من البيانات ذات الصلة فقط. وفي انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة يُمكن استخدام هذه الطريقة لفهم الظواهر الاقتصادية والاجتماعية العالمية التي تدل على صعود مرشح غير متوقع مثل ترامب.

وبينما تبدو ظاهرة ترامب جديدة على  المناخ السياسي الأمريكي الحديث، إلا أن باحثين في السياسة العالمية رصدوا اتجاهًا مشابهًا قبل فترة مع صعود الأحزاب الشعبوية في كثيرٍ من المجتمعات الغربية. ومثلًا في بريطانيا فاز “حزب الاستقلال” بمقعد واحد في الانتخابات العامة في عام 2015، إلا أن خطابه أذكي المشاعر المناهضة لأوروبا وللمهاجرين وقادت في العام التالي إلى اختيار الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. وهناك عدد من أوجه الشبه في البلدان التي شهدت صعود الأحزاب الشعبوية مثل مشاعر انعدام الأمن الاقتصادي ومعارضة تنوع المجتمعات بفعل الهجرة.

وبذلك كانت الاستفادة من بيانات التصويت في استفتاء انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي ستسمح بفهمٍ أفضل لتحولات المشاركة والتصويت. وربما تتنبأ بحصول ترامب على دعمٍ أكبر، ولاسيما من فئات سكانية تحمل نفس الرؤى المضادة للهجرة.

وتتضح سلبيات الاعتماد على البيانات التاريخية في قطاعات أخرى؛ فحين تعتمد عليها الشركات في اتخاذ قرارات الاستثمار تتجاهل احتمال تغير الواقع بالفعل، كما تُواجه مشكلة التعامل مع بيانات محدودة. ومثلًا في حال قررت شركة نجحت داخل السوق الأمريكي التوسع إلى ألمانيا وتحتاج إلى استثمار معرفتها بالسوق الأمريكي في خطتها الجديدة، يُمكنها استخدام “تعلم النقل” لتقييم أوجه الشبه والاختلاف، ليتمكن متخذو القرار من محاكاة أداء الشركة في بيئة تُشبه السوق المستهدف.

وعوضًا عن الأساليب المعتادة في التنبؤ استنادًا على بيانات قديمة، يتعين على المعنيين بالإحصاء والتحليل في قطاعات السياسة والأعمال الاستعانة ببيانات مشكلات مشابهة حدثت في فترات قريبة حتى إذا لم تكن على صلة مباشرة بموضوع البحث، وستُساعد خوارزميات “تعلم النقل” على توجيه عملية التعلم للتركيز على الأجزاء الأكثر أهمية من البيانات.

وبالتأكيد لا ينبغي تجاهل القيمة الكبيرة للبيانات التاريخية في عمليات التنبؤ، لكن استخدام أساليب أكثر تقدمًا سيُساعد في تعظيم الاستفادة من الأحداث الحالية ومعلومات تعود إلى فترات زمنية ومجالات مختلفة، وهو أمر ضروري لزيادة دقة التنبؤ.

المصدر

الصورة