البيانات الضخمة تُضيف بعدًا جديدًا إلى المدن

يتعامل أغلبنا مع المساحات العامة في الحياة اليومية سواءً كانت عناصر ملموسة كالطرق والأرصفة والمقاعد أو وسائل المواصلات كالحافلات والقطارات وبرامج مشاركة السيارات أو المشهد العام للمدينة. لكن التطور التقني خلال العقدين الماضيين عبر الهواتف الذكية وإنترنت الأشياء أضاف طبقة جديدة من المعلومات إلى المساحات العامة، وأحدث تحولًا في البيئات الحضرية.

وتقليديًا تولى مصممون ومهندسون معماريون تصميم الأماكن العامة، وتحملت شركات خاصة أو هيئات حكومية أعباء إدارتها. واستندت عملية التصميم على فكرة توجيه التصميم لسلوكيات الجمهور من خلال تحديد المساحات المخصصة لحركة المشاة والسيارات والجلوس.

وفي حين لا تزال هذه النظرية قائمة، صارت المعلومات عنصرًا أساسيًا في المساحات العامة وغيرت أسلوب التعامل مع البيئة الحضرية، ومن ذلك خرائط “جوجل” وتطبيقات التنقل بحسب الطلب التي تصل المسافرين بأقرب السائقين إلى موقعهم. ولا يقتصر الأمر على استقبال المعلومات، بل يُسهِم الجمهور في توليد البيانات؛ فكل تفاعل مع مواقع الإنترنت وتطبيقات الهواتف الذكية يُضيف إلى الفيض الحالي من البيانات التي يجري جمعها وتخزينها وتحليلها.

وبالإضافة إلى استثمار الشركات للبيانات في جني الأرباح، تُقدم البيانات تحديثات دقيقة ومتواصلة حول تطور المجتمعات، تستطيع الحكومات والمصممون الاستفادة منها في تصميم المساحات العامة وإدارتها. وفي السابق استند تصميم الأماكن العامة على افتراضات تتعلق باستخدام السكان لها، وكانت الملاحظات حول كيفية استخدام المشروعات مقياسًا لمدى توافقها مع الأهداف الأصلية لمصمميها، دون أن يكون للجمهور العام مشاركة كبيرة في تحديد أساليب التصميم والتنظيم.

والآن تُستخدم المعلومات المتدفقة حول أنماط الاستهلاك في تشكيل المنتجات النهائية، ويستند أي تغيير على تقييم الجمهور. وفي سياق التصميم الحضري يوفر نظام البيانات المفتوحة من “هيئة النقل في لندن” للجمهور ومطوري التطبيقات عرضًا مرئيًا للبيانات التي ترد من بطاقات “أويستر” للتنقل ويفتح المجال أمام تحليل الإحصاءات وتطوير برامج جديدة.

وتُمثل هذه التجربة ومثيلاتها مجرد بداية، وتتحول المدن يومًا بعد آخر إلى شبكات مكانية اجتماعية للتفاعل، الأمر الذي يضع سكانها أمام خيارين؛ أولهما مواصلة إضافة بياناتهم إلى الطوفان الراهن دون تفكير، وثانيهما السعي إلى إدارة البيانات والتحكم الواعي فيها بالاستفادة من إمكانات البيانات الضخمة والحوسبة.

ومن خلال وعي مستخدمي “تويتر” و”فيسبوك” بالتأثير الواسع لبياناتهم الشخصية وما ينشرونه عبر هذه المنصات، يُمكنهم مثلًا توجيه محللي البيانات في اتجاهٍ أو آخر. وإذا أدرك الأفراد أهمية البيانات التي تُجمع عن أنشطتهم في اتخاذ القرارات، قد يجعلهم هذا جزءًا فعّالًا من التصميم والإدارة. ومثلًا تُقدم مشروعات مثل “لايف سنغافورة” منصة تعرض بيانات الوقت الحقيقي لما يجري في المدينة، ما يُساعد السكان على فهم ما يحدث في مدينتهم واتخاذ القرارات استنادًا إليها.

وحتى الآن لم يبلغ البشر مرحلة تشكيل بياناتهم للأماكن العامة في الوقت الحقيقي وبمستوى مرتفع من التخصيص، لكن الانتباه لأهمية المساهمات الفردية في تشكيل المساحات العامة هو خطوة أولى لازمة.

المصدر والصورة