البيانات الضخمة عامل رئيسي في تغيير قطاع الرعاية الصحية

تمتد تطبيقات البيانات الضخمة إلى مُختلف المجالات من المبيعات إلى الموارد البشرية، ولا يُعد الطب والرعاية الصحية استثناءً.

وعلى مدار سنوات اعتمدت مُعظم الأبحاث والاكتشافات الطبية على جمع البيانات وتحليلها لتحديد الأمراض وأعراضها وأسبابها ومراحل تطورها. وفي الوقت الراهن يسمح الانتشار الواسع لأجهزة استشعار الهواتف الذكية بجمع بيانات عن سلوكيات المرضى، كما يُتيح للأطباء مشاركة المعلومات بين التخصصات المختلفة، ويتجاوز الحجم الحالي للبيانات ما توافر منها في أي وقتٍ مضى، ما قد يعني نموًا استثنائيًا في الاكتشافات. ويشمل دور البيانات الضخمة في الرعاية الصحية مُختلف مراحلها ابتداءً من الوقاية ووصولًا إلى الرعاية المستمرة.

الوقاية:

على الرغم من ميل البشر عمومًا للتعامل مع المشكلات بعد حدوثها بدلًا من منعها من الأصل، إلا أن مُؤسسات تقديم الرعاية الصحية تُدرك أكثر من غيرها صحة القول المأثور أن درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج.

وفي هذا الشأن تستطيع الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية الشخصية الأخرى مثل سوارات “فيتبِت” و”جاوبون” مُساعدة مستخدميها في تتبع تقدمهم في اتباع نمط حياة أكثر صحة. وفضلًا عن أدوات مُتابعة أنشطة اللياقة البدنية، طُورت أجهزة تُساعد في مُتابعة من يُعانون أمراضًا مُزمنة مثل السكري والشلل الرعاش وأمراض القلب.

ويتجه الباحثون إلى جمع هذه المعلومات في قواعد بيانات قد تُغير جذريًا فهم العلاقة بين نمط الحياة والأمراض. وتُواجه الكثير من الأبحاث الطبية مُشكلةً شائعة تتمثل في إبلاغ المرضى بأنفسهم عن سلوكياتهم وحالتهم، ويتضمن ذلك ظاهرة نفسية واسعة الانتشار؛ إذ يميل المرضى إلى تعديل بياناتهم أو إخفاء بعض الواقع ليبدون أفضل حالًا أو أكثر التزامًا بتعليمات الأطباء.

لكن ذلك كله في سبيله للتغيير؛ بفضل الهواتف الذكية والأجهزة الأخرى التي تُسجل بنزاهة البيانات الحقيقية للمريض مثل عدد الخطوات التي يسيرها يوميًا ومُعدل ضربات القلب، وتنقلها إلى الأطباء، وبذلك تسلم من تحيزات المريض وميوله الخاصة، ما يُوفر للباحثين بيانات أكثر دقة من ذي قبل.

التشخيص:

يُشكل دور البيانات في تشخيص الأمراض الخطوة المنطقية التالية. وبطبيعة الحال يتميز مجال الطب بجمع قدر هائل من البيانات، لكنها غالبًا ما تظل حبيسة مكاتب الأطباء والمستشفيات والعيادات، وبالتالي يتوجب على القطاع الطبي توحيد البيانات الواردة من المصادر المُختلفة مع البيانات التي تجمعها الأجهزة الذكية عن المرضى.

ويُركز مُقدمو خدمات الرعاية الصحية على توفير نسخ رقمية من سجلات المرضى وإتاحتها في مجموعة واحدة في متناول النظام بأكمله. وعلى سبيل المثال أنشأت مؤسسة “كايزر بيرمانينت” Kaiser Permanente للرعاية الصحية برنامج “هيلث كونكت” HealthConnect  لتوحيد السجلات الطبية عبر نظامها، ويُنسب إليه الفضل في تخفيض التكاليف بمقدار مليار دولار.

ويهدف “تحالف بيتسبرج للبيانات الصحية” Pittsburgh Health Data Alliance إلى جمع بيانات من مصادر مختلفة منها السجلات الصحية والتأمينية وأجهزة الاستشعار القابلة للارتداء والبيانات الوراثية وأخرى عن استخدام مواقع الإعلام الاجتماعي؛ من أجل تكوين صورة شاملة للمرض الفرد، وتوفير حزمة مُخصصة لاحتياجاته من خدمات الرعاية الصحية. ويتألف التحالف من جامعتيّ “كارنيجي ميلون” و”بيتسبرج” الأمريكيتين و”جامعة بيير وماري كوري” في العاصمة الفرنسية باريس.

كما تجري الاستفادة من إمكانات الحاسب الفائق “واتسون” من شركة “آي بي إم” في اكتشاف الأنماط وتشخيص الأمراض. وحتى الآن أثبتت الخوارزميات المزودة بتكنولوجيا تعلم الآلة قدرةً مُماثلة للإمكانات البشرية في تشخيص الإصابة بالسرطان في نتائج الاختبارات، وأحيانًا ما تفوقت عليها. ويعني ذلك زيادة فرص تشخيص الأمراض في المراحل المُبكرة للإصابة، وبالتالي ارتفاع احتمالات نجاح العلاج.

العلاج:

تُوفر البيانات الضخمة مجالًا واسعًا للربط بين قدرٍ هائل من بيانات المرضى والرعاية الصحية الشخصية والمُخصصة لمُلائمة احتياجات فرد بعينه. وظهر بالفعل نجاح “واتسون” وغيره من برامج تدعم خوارزميات “التعلم العميق” في قراءة كميات ضخمة من النصوص وتحليلها.

وتسعى “آي بي إم” إلى إنتاج واجهة تُتيح للحاسب “واتسون” وأمثاله تحليل الأبحاث الطبية المُتوافرة بالفعل حول أي موضوع وجمعها وتلخيصها للأطباء، وسيسمح ذلك باتخاذ قرارات علاجية أفضل لكل مريض استنادًا على البيانات المُتاحة دون الحاجة لقضاء وقت طويل في البحث.

وربما تُسهِم البيانات الضخمة في تطوير الأدوية والعلاجات التي سيصفها الأطباء، كما ستُساعد في اختيار الأشخاص الأكثر مُلائمةً للمُشاركة في التجارب والأبحاث الطبية، ويُضاف إلى ذلك دور الخوارزميات في تحليل نتائج الاختبارات.

وفي الآونة الأخيرة قاد تبادل البيانات بين أكبر الشركات المُنتجة للأدوية إلى اكتشافات مهمة مثل التوصل إلى قدرة ديسيبرامين، الذي يشيع استخدامه كمُضاد للاكتئاب، على علاج بعض أنواع سرطان الرئة.

وفي المستقبل القريب ربما يختار الطبيب علاجات مُخصصة للمريض، وتتوافر من خلال التكامل بين السمات الوراثية الفريدة للشخص، وبيانات حول نمط حياته، والبيئة المُحيطة، واستخدامها جميعًا لتحديد المرض واختيار العلاجات المُثلى. وتُفيد البيانات الضخمة وتحليلاتها في مُتابعة تطور أوبئة واسعة الانتشار على الصعيد العالمي مثل “إيبولا” و“زيكا” واكتشاف علاجها.

الرعاية الصحية المُستمرة:

تُوظِف بعض المحاولات البيانات والتعلم العمييق والروبوتات معًا، ولاسيما فيما يخص الرعاية اللاحقة وعلى المدى الطويل ومنع الانتكاسات وإعادة إدخال المرضى إلى المستشفيات. وتُفيد البيانات في التنبؤ بمدى التزام المرضى بنصائح الأطباء ونمط الحياة الصحي، ويُساعد ذلك في الحد من فرص إعادة المرضى الأكثر عرضة للخطر إلى المستشفيات وسوء حالتهم.

وبالفعل تتوافر أدوات لمُتابعة التزام المرضى بالعلاج مثل أجهزة استنشاق لمرضى الربو مُزودة بخاصية تحديد المواقع الجغرافية، وأجهزة أخرى تُسجل معلومات عن إجراء المكالمات الهاتفية وتبادل الرسائل النصية وأنماط النمو والنشاط البدني، وهي معلومات من شأنها المساعدة في تنبيه الأطباء وأفراد الأسرة لاحتمالات تدهور حالة المريض حال رصدت علامات مثل قلة النمو وتقطعه وقلة الحركة، وقد تدل على مشاعر القلق وغيره من المتاعب النفسية.

وتُعد اليابان، بسبب ارتفاع أعداد سكانها من المسنين، في صدارة الدول التي تستفيد من الروبوتات المُتقدمة في توفير الرعاية الصحية والعلاج. وتُستخدم الروبوتات في أغراضٍ متنوعة منها مُتابعة المرضى من كبار السن الذين يعيشون بمفردهم، ومُساعدة الأطباء في توفير الرعاية الصحية عن بُعد للمرضى في المناطق الريفية، والحيوانات الأليفة الروبوتية التي تُهدئ مرضى الخرف وألزهايمر.

وتُبشر التطورات في كمية البيانات ونوعيتها إلى جانب زيادة إمكانات الحوسبة اللازمة لتحليلها وفهمها بفرصٍ كبيرة للنجاح في تشخيص الأمراض والتوصل لعلاجات ناجعة.

المصدر

مصدر الصورة