البيانات الوصفية: ضرورة من أجل استفادة المدن من البيانات

تُنتج الأنشطة اليومية في المدن كميات هائلة من البيانات، منها ما يخص المواطنين والشركات والبنية التحتية والطرق وغيرها. ويتطلب تحويلها إلى معلومات مفيدة جمعها وتخزينها بالشكل المُناسب، بالإضافة إلى إمكانية الوصول إلى البيانات الوصفية Metadata أي المعلومات التي تصف البيانات وما ورائها.

ومثلًا تتضمن البيانات الوصفية معلومات تتعلق بآلاف تقارير الحوادث التي تُسجلها إدارات الشرطة في كل شهر، وتُتيح البيانات الوصفية المُرتبطة بالحوادث تحديد الأنماط المُميزة لأماكن الجرائم والوقت الذي يحتاجه الضباط للاستجابة ومدى سرعتهم والأجهزة التي استعانوا بها في عملهم، ويُمكن لتحليل مثل هذه البيانات أن يُسهِم في التوظيف الفعّال للضباط وموارد الشرطة ومن ثم تعزيز سلامة المواطنين.

وبمقدور البيانات الوصفية الكشف عن النتائج الفعلية لخطط المدينة والخيارات التي تتخذها الشرطة، ويستعين مسؤولو المدن بتحليلاتها للتنبؤ بنمو السكان وتوقع الأماكن التي تحتاج إلى موارد إضافية مثل المرافق والحدائق الجديدة وبرامج مُساعدة للطلاب.

وتستطيع البيانات الوصفية المُساعدة في حل المشكلة المُعقدة لاختناقات المرور أو على الأقل التخفيف من حدتها في ساعات الذروة من خلال تحليل الأنماط وتيسير اتخاذ القرارات الخاصة بزيادة المواصلات العامة وتحسين الطرق وإنشاء مزيد من الطرق السريعة.

وفي بعض الأحيان لا يُفيد كثيرًا الاكتفاء بتخزين مقاطع الفيديو مهما بلغ حجمها، لكن الأمر يختلف عند فهرستها على النحو الصحيح وتخزينها بطريقة تسمح بالبحث فيها لاحقًا واستعادتها، وحينها تحمل البيانات الوصفية فائدةً كبيرة.

تحديات الاستفادة من البيانات الوصفية

على الرغم من منافع البيانات الوصفية، إلا أن استخدامها ليس يسيرًا في كل الأحوال. وبطبيعة الحال يُعد تخزين قدر هائل من البيانات لأجل غير مُحدد وربطه بالبيانات الوصفية استثمار، وتتطلب الاستفادة من البيانات تخصيص الوقت والمال اللازمين لجمعها وتخزينها في أنظمة الحاسب بالشكل المُلائم. وينمو هذا الالتزام بتخصيص الموارد والاستثمارات المالية سنويًا ليُرافق نمو حجم البيانات التي تجمعها المدن. ويُقدر البعض مُعدل نمو البيانات بأكثر من 40% سنويًا.

ويجري تخزين أغلب هذه البيانات في أنظمة مُنعزلة عن بعضها البعض، الأمر الذي يزيد من صعوبة الوصول إليها ويُضاعف احتمالات فقدانها. وغالبًا ما ترتبط البيانات الوصفية بمحاولة دائمة للمُلاحقة، وربما تتحول مهمة إنشاء بنية لبيانات غير مُهيكلة تتوزع في خوادم تخزين في مواقع متنوعة إلى عملٍ عسير في غياب إمكانية البحث في البيانات.

ويُمثل الحفاظ على أمن البيانات التي يُمكن البحث فيها تحديًا إضافيًا، ولاسيما في ظل تواصل الهجمات على أنظمة الحاسب الحكومية كما حدث مع “مكتب الإدارة الشخصية” في الولايات المتحدة الأمريكية العام الماضي. ويتوجب توفير الحماية القانونية للمعلومات التي تُساعد في تحديد هويات أشخاص مثل أرقام الضمان الاجتماعي والمعلومات المُتصلة مُباشرةً بتحقيقات جارية في جرائم، كما ينبغي إخفاء مثل هذه المعلومات عن الجمهور وإتاحتها للمؤسسات المسؤولة عن تنفيذ القانون والكيانات الحكومية ذات الصلة.

ويُعد اعتماد الحل المُلائم لتخزين البيانات مُفتاح لمواجهة التحديات المرتبطة بالاستفادة من البيانات في المستقبل، ويضمن التخزين الصحيح إلى جانب البيانات الوصفية استخدامات غير محدودة للبيانات.

نماذج توظيف البيانات الوصفية

أطلقت مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية مشروع “داتا إس إف” DataSF الذي يسمح للمواطنين بالإطلاع على كميات هائلة من البيانات الحكومية التي يُمكن البحث فيها، ويهدف المشروع إلى مساعدة الشركات والأفراد على اتخاذ قرارات أفضل بناءً على وعي ودراسة، بالإضافة إلى توفير مزيد من الشفافية والمساءلة المُتبادلة.

ومن بين نتائج مشروع مشاركة البيانات عقد شراكة مع موقع “يلب” للمراجعات ليُتيح التطبيق إطلاع المستخدمين على سجلات التفتيش الصحي على أماكن تناول الطعام، وبذلك تمكن عددٌ أكبر من الأشخاص من تجنب الأمراض المُرتبطة بتناول الغذاء، كما صار لدى المطاعم حافز أكبر للالتزام باللوائح الصحية للمدينة.

وبالمثل بدأت مدينة لوس أنجليس في الآونة الأخيرة برنامج “كلين ستيت” CleanStat، وهو قاعدة بيانات تقيس كمية القمامة في شوارع المدينة، وتعتمد على تقارير المفتشين عن حالة الشوارع، وتربط المدينة هذه التقارير مع تسجيلات فيديو مصحوبة بموقعها الجغرافي تلتقطها عربات جمع القمامة. ويُساعد توفير مسح شامل للحالة الراهنة وتخزين هذه البيانات جنبًا إلى جنب مع البيانات الوصفية المُرتبطة بها والقابلة للتحليل في تطوير حلول استراتيجية للمشكلة على أرض الواقع.

واستفادت مدينة شيكاغو من البيانات الوصفية في مواجهة انتشار الفئران، وفي إيطاليا أفادت البيانات الوصفية للهواتف المحمولة في محاربة الجريمة المنظمة من خلال الكشف عن الشخصيات المؤثرة التي تحتل مواقع مركزية في شبكات المكالمات الهاتفية.

وتستعين مدينة بوسطن ببيانات من شركة “أوبر”، صاحبة تطبيق طلب السيارات عبر الهواتف الذكية، لتحسين فهمها لحركة المرور وتحديد أماكن إشارات المرور وتغيير تقاطعات الطرق. وتتمثل قيود البحث في البيانات الوصفية وتحليلها فقط في نوعية البيانات وإمكانات البحث في البيانات وحدود الخيال.

مستقبل البيانات الوصفية

يترافق نمو الاستثمارات المُوجهة للبيانات الضخمة مع تنامي الطلب على نتائج تحليلات البيانات، ولذلك تحتاج المدن إلى تخزين البيانات بطريقة تسمح بالبحث فيها، وتوفير بيانات وصفية دقيقة لاستعادة المعلومات المهمة ذات الصلة من قدر هائل من البيانات المُخزنة. ويلفت ذلك إلى أهمية تخزين المعلومات وتنظيمها وتصنيفها دون الاكتفاء بالتراكم العشوائي للبيانات.

وتتأكد أهمية تخزين البيانات في ظل اتجاه المدن إلى التحليلات التنبؤية، وعوضًا عن الاستفادة من البيانات في فهم ما جرى، فإنها ترسم اتجاهات التنبؤ بالمستقبل، وهو أمر يصعب تنفيذه دون توافر سبيل لجمع البيانات معًا والبحث عن العناصر الرئيسية فيها، وبالتالي فإن الاحتفاظ بالبيانات إلى جانب البيانات الوصفية استثمار له قيمته وأهميته لمساعدة المدن على انتهاج أساليب إدارية واتخاذ قرارات فعّالة.

المصدر

مصدر الصورة