البيانات: مجال جديد بحاجة إلى تنظيم قانوني

أثمر الانتشار الواسع لتكنولوجيا المعلومات والهواتف الذكية وأجهزة الاستشعار التي تتوزع في الأماكن العامة والخاصة وصولًا إلى الجسم البشري كميات هائلة من البيانات حول أنشطة البشر والعالم المحيط. وينمو حجم البيانات بمعدل غير مسبوق، وابتكر العلماء وحدات قياس جديدة للتعبير عن هذه الزيادة مثل زيتابايت التي تُساوي 10²¹ بايت أي آلاف مليارات المليارات، وهي قياسات مألوفة نوعًا ما في العلوم الطبيعية لكنها جديدة تمامًا في تقدير النشاط البشري.

وانتعش مجال البيانات الجديد الذي يُقدم صورة للأنشطة الجارية في العالم الحقيقي مثل حالة المرور على الطرق وتنقلات الأفراد والمعاملات المالية ودرجات الحرارة في المنازل وتبادل السلع، ويشكل استيعاب ذلك تحديًا للقوانين والتشريعات الحالية.

وبينما يُعبر الغلاف المائي عن المياه على سطح الأرض من أنهار وبحار ومحيطات ومياه جوفية تتركب أساسًا من ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين، تتكون البيانات من وحدة “بت”، وهي الوحدة الأساسية لنقل المعلومات في أنظمة الحوسبة.

ومثلما تتعدد صور المياه، تُوجد البيانات في أشكالٍ متنوعة منها المفتوحة التي يُمكن الوصول إليها على نطاقٍ واسع، ومنها الخاضعة للملكية الخاصة، وبعضها ثابت والآخر مُتغير. وتنتج البيانات عن أنشطة البشر والمعدات وتتدفق إلى وحدات التخزين والمعالجة قبل أن تعود مجددًا إلى الأفراد.

وتتفاعل البيانات مع البيئة المحيطة، وترتكز على العالمين المادي والاقتصادي؛ فمن ناحية تعتمد على البنية التحتية الملموسة مثل مراكز البيانات وكابلات الاتصالات تحت سطح البحر والأقمار الاصطناعية الخاصة بالاتصالات ونحو ذلك. ويستهلك هذا الأساس المادي نحو 10% من إجمالي إنتاج العالم من الكهرباء. ومن الناحية الاقتصادية يعتمد مجال البيانات على أطراف فاعلة أغلبها مُتعدد الجنسيات يرتبط بصلات مُعقدة مع مؤسسات إدارية وحكومية. وبسبب النظم الضريبية والمراقبة الحكومية صار لمجال البيانات علاقة قوية بالسياسات، فضلًا عن تنامي أهميته سريعًا.

ويُثير تطور مجال البيانات تساؤلات بشأن سبل التنظيم القانوني، ويُرجح أن تتجه الإجابات إلى القانون الدولي العام كما جرى مع تنظيم المجال الجوي والفضاء الخارجي والملاحة الدولية. وحتى الآن لا توجد دراسة شاملة تتعامل مع البيانات كقطاع جديد من الناحية القانونية.

وتحتاج البيانات إلى دراسة متأنية لصلاتها مع المحيط المادي والمنتجات الرقمية الجديدة. وتُنشئ البيانات علاقات جديدة داخل الكيانات التقليدية مثل الدول والمدن والمؤسسات الإقليمية والدولية، كما ستُفضي إلى زيادة التعاون على الصعيدين الوطني والدولي، وفي ظل التحول الرقمي الشامل لم تعد البيانات تنتمي إلى دولة أو مؤسسة أو فرد، بل تُشكل جزءًا من المجال العام حيث يستطيع الجميع الوصول إليها.

وقد تنتج العلاقات الجديدة من تحول أنشطة من الإطار المحلي إلى مجال البيانات الرحب، ويتضح ذلك في تأثير تطبيق مثل “أوبر” على فعالية القوانين المحلية المُنظمة للعمل. وعلى الرغم من تباين أساليب الحكومات في التعامل مع “أوبر” يبقى السائقون المتعاونون مع الخدمة خارج نطاق التشريعات الوطنية كالتي تضع حدًا أدنى للأجور وتُنظم ساعات العمل ونحو ذلك.

وهناك الكثير من الأمثلة على مساعي القوانين لاستيعاب الابتكارات البشرية كالتغير المتواصل في قانون الفضاء والملاحة في أعالي البحار والجدال حول حقوق الدول في القطب الشمالي، وسن تشريعات تكفل الحفاظ على البيئة الطبيعية. وبالمثل ينبغي على القوانين اعتبار البيانات مجالًا جديدًا وتقديم الأطر الملائمة لفهم الصلات الجديدة الناشئة من متابعة النشاط البشري من الزراعة إلى الصناعة ومن إنتاج الطاقة إلى الإدارة.

المصدر والصورة