التحكم في الشعور بالأهمية الشخصية خطوة أولى في سبيل القيادة الناجحة

يرى بعض القادة في إنجازاتهم العملية تعبيرًا أساسيًا عن شخصياتهم وربما تُشكل وحدها رؤيتهم لأنفسهم ودورهم في الحياة عمومًا. وبينما قد يدل ذلك على اهتمامهم بالعمل، فإنه أحيانًا ما يرتبط بالخوف البالغ على مناصبهم وتركيزهم على استبعاد المنافسين، الأمر الذي يُؤثر سلبًا على مرؤوسيهم ومؤسساتهم.

ويُقدم بعض القادة في الحكومات والشركات نموذجًا مُغايرًا؛ إذ يعتبرون المناصب القيادية مسؤوليةً مُؤقتة، دون أن تنفرد بالسيطرة على تصوراتهم لذواتهم ومستقبلهم، ويعني ذلك ضمنًا تحكمهم في شعورهم بأهميتهم وحبهم للمنافسة.

وبحسب ما كتبت دانا وايت، المؤسِسة والرئيسة التنفيذية لشركة “1055 جرادي” لاستشارات القيادة، يُوظِّف الرئيس التنفيذي لشركة “بيجو ستروين” للسيارات كارلوس تافاريس ولعه منذ ثلاثين عامًا بقيادة سيارات السباق للتحكم في شعوره بأهميته الشخصية، ويُفرغ من خلاله حبه للمنافسة والإنجاز الشخصي.

وبينما أكد تافاريس حبه لوظيفته وسعيه للنجاح في الشركة التي تُعتبر ثاني أكبر مُصنِّع للسيارات في أوروبا، أوضح أن نجاح “بيجو ستروين” لا يتعلق بشخصه ولا يُرادف نجاحه الخاص.

وقد يُثير ذلك بعض التعجب في ضوء ارتفاع أرباح الشركة منذ توليه منصبه في عام 2014 بعد سنوات من الخسائر وتراجع المبيعات. ويرجع نصيبٌ كبير من ذلك إلى أسلوب الإدارة أكثر منه إلى نمو السوق. وهو أمر من شأنه أن يُثير مشاعر الفخر والاعتزاز لدى الكثير من القادة.

وفسرت وايت هذه الرؤية لتافاريس بتحكمه في اعتزازه بنفسه وترتيبه لأولوياته. وقال: “أود أن تنجح شركتي وسأفعل ما بوسعي لضمان حصول فريقي على ما يحتاج إليه لتحقيق النتائج، لكنني أيضًا زوجٌ وأبٌ وجدٌ. بمقدور آخرين قيادة هذه الشركة، لكنني الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يكون زوجًا وأبًا وجدًا لعائلتي”.

وأضاف تافاريس: “أحب التنافس، لكني أدع اعتزازي بنفسي في مضمار السباق. أرغب في الفوز وأحبه، لكن أترك الاعتزاز الذاتي لمضمار السباق وليس لغرفة مجلس الإدارة”.

ويُقدم هذا نموذجًا على تفكير القائد في الجماعة وليس في شخصه. ومن السهل على القادة الانسياق وراء الإيمان بشعبيتهم من خلال إحاطة أنفسهم بمتملقين لا يُخالفونهم الرأي، الأمر الذي يُساوي انعزالهم في غرفٍ يستمعون فيها إلى صدى أصواتهم وحدها، وبمضي الوقت ينفصلون ليس فقط عن العاملين معهم، وإنما أيضًا عن واقع مؤسساتهم ما ينتهي إلى تراجع مكانتهم سريعًا أو تدريجيًا.

وغالبًا ما يكون الخوف هو دافع القادة لهذا المسلك؛ فمع  تربعهم على قمة شركات أو حكومات يتزايد قلقهم مما يحمله المستقبل، وبالنسبة إليهم هناك مسار واحد مُقابل للصعود وهو الهبوط. ويعجز هؤلاء عن تعريف شخصياتهم بدون المنصب القيادي، وقد يدفعهم هذا إلى التركيز على تحقيق مصالحهم الخاصة، كما يعمدون إلى تدبير الفوضى ضمن نطاق سيطرتهم بين حينٍ وآخر لتشتيت انتباه منافسيهم. وتُعبِّر هذه التصرفات عن أسوأ أنواع القادة بسبب إبطاءهم التقدم وتأثيرهم السلبي على الحماس.

ومن ناحية أخرى، يفهم أفضل القادة أن دورهم الوظيفي امتياز وليس حق، وأنهم مُحملون بمسؤوليات في فترة معينة وعليهم النجاح دون أن يسعوا لإرضاء غرورهم وبناء قيمتهم الذاتية. ويمتلك هؤلاء رؤيةً على المدى الطويل لمؤسساتهم وأنفسهم، ويُدركون حتمية التغيير ويتقبلونه، وبذلك يكفون أنفسهم عناء الخوف من اتخاذ قرارات مهمة.

ويعتقد أفضل أنواع القادة بتعبير الدور الوظيفي عنهم دون أن تُؤلِف الوظيفة تعريفهم الوحيد، ولذلك يسهل عليهم التطلع إلى مغامرات تالية حتى إن كانت بعيدة عن القيادة. وعند البحث عن تعريف للقائد الجيد ينبغي الالتفات لمن يتمتعون بالتواضع والحكمة لإدراك أن القيادة تتخطى طموحاتهم الشخصية، وترتبط أكثر بمساعدة الآخرين على بناء طموحاتهم وإنجازها.

مصدر الصورة

التعليقات

  1. د. حسام الجبالي
  2. عمر عبد الله عمر