التدريب المهني: فكرة قديمة لعصر جديد

يُعد التدريب المهني، الذي يعني تعلم مهنة أو حرفة من خلال التدريب العملي المصحوب ببعض الدراسة، وسيلة أساسية لتزويد الشباب بالمهارف والمهارات العملية اللازمة لحصولهم على فرص عمل جيدة والوصول لمعايير المنافسة العالمية، وتيسير انتقالهم من مرحلة التعليم إلى سوق العمل.

وأسهم التدريب المهني في تراجع نسب البطالة بين الشباب في دول مثل أستراليا والنمسا وألمانيا وسويسرا وهولندا مُقارنةً بدول مُتقدمة أخرى مثل فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية. وتُوفر الدول الخمسة التدريب المهني لنسبة تتراوح بين 15 إلى 20% من الشباب بين عمر السادسة عشرة والرابعة والعشرين، في مُقابل 5% من الشباب في فرنسا والمملكة المتحدة.

ويحتاج تطبيق التدريب المهني في أسواق العمل المعاصرة المُعقدة إلى الكثير من الثقة والتعاون بين الحكومات والشباب وأصحاب الأعمال. وبينما اعتمد في الماضي على اتفاقات خاصة بين أصحاب الأعمال والمتدربين، غالبًا ما يتطلب اليوم تدخلًا حكوميًا.

وعلى مدار الأعوام المائة الماضية سعت حكومات مثل النمسا وألمانيا وسويسرا لإعادة التوازن إلى العلاقة غير المُتكافئة بين أصحاب الأعمال والمتدربين من خلال ضمان الدعم القانوني للمتدربين وحقوقهم في الحصول على مهارات عامة يُمكنهم الاستفادة منها لاحقًا إلى جانب المهارات المُتعلقة بعمل الشركات، وبذلك صارت طرفًا أساسيًا في تنظيم التدريب المهني.

التدريب المهني

على مدار قرون كان التدريب المهني طريق أساسي لتحصيل المهارات والالتحاق بسوق العمل، وحتى الآن يُسهِم في تزويد الشباب بالمهارات اللازمة وتعزيز نظام التعليم (الصورة لتدريب على الطباعة في نيويورك عام 1917)

ويستلزم نجاح التدريب المهني التوازن الدقيق بين مصالح مختلف الأطراف وسط ظروف اقتصادية سريعة التغير. وربما يعود تميز التدريب المهني في بلدٍ مثل ألمانيا إلى تقاليدها العريقة في هذا الشأن واعتبار التدريب المهني جزءًا أساسيًا من نظامها التعليمي المزدوج وشرطًا للعمل، وبالتالي قد يكون من الصعب تكرار التجربة في بلدان أخرى.

لكن تُظهِر تجارب البلدان الناجحة مبادئ أساسية لعل أولها ضرورة تولي أصحاب الأعمال واتحاداتهم، وليس الحكومات، الدور الأبرز في تنظيم التدريب المهني بما في ذلك تحديد محتواه، وإدارة التدريب ونفقاته.

وفي الوقت نفسه يخضع أصحاب الأعمال لضوابط وتوازنات تفرضها التشريعات الحكومية التي تحمي مصالح المتدربين. ويتفق المتدربون مع أصحاب الأعمال على الأجور ومدة التدريب، ويتحملون معًا تكاليف التدريب ويتقاسمون العائدات ضمن الأطُر التشريعية. ويعني ذلك أن التدريب المهني الناجح يعتمد على التوازن بين ثلاثة أطراف هي المتدربين وأصحاب العمل والحكومات.

وخلال العقدين الماضيين أخلت ضغوط العولمة ونمو اقتصاد المعرفة بهذا التوازن. ويُواجه شباب يتمتعون بمؤهلات أساسية صعوبات في نيل فرص للتدريب المهني في بلدان مثل ألمانيا والنمسا والدانمارك خلافًا لما كان عليه الحال في السابق.

ويتطلب تصويب هذا الخلل اضطلاع كل طرف بدوره. وصار على الشباب تحسين معارفهم أو الاضطرار للانتظار فترات طويلة قبل تدريبهم في ظل اشتراط الشركات حصولهم على درجات أكاديمية جيدة أو أكثر. ويلتحق المتقدمون الأقل تأهيلًا بدورات دراسية لتحسين مهاراتهم بعد التعليم الإلزامي، ما أدى إلى ارتفاع سن الالتحاق بالتدريب المهني.

أما الحكومات فيتعين عليها دفع إعانات مالية قصيرة الأجل لتعويض الشركات عن قبولها متدربين أقل كفاءة، بالإضافة إلى تطوير المناهج الدراسية لرفع مستوى الخريجين. وتوصلت الحكومات والشركات إلى توازن تتعهد بموجبه الأخيرة بتوفير المزيد من فرص التدريب المهني مقابل تخفيف صرامة اللوائح الحكومية للحد من تكاليف التدريب.

وتتجه الشركات إلى تعزيز تعاونها مع المؤسسات العامة من أجل التصدي المُبكر للتدخلات الحكومية في إدارتها للتدريب المهني، وبذلك توصلت الأطراف الثلاثة لمعادلة لا تمس الدور القيادي لأصحاب الأعمال.

وأمام الدول فرصة للاستفادة من برامج تدريب مهني عالية الجودة تتضمن تعليم اللغات وتكفل للعمال أجورًا أعلى في المستقبل. وفي ظل ارتفاع تكاليف هذا النوع من التدريب على الشركات وعدم كفاية الأجور التي يحصل عليها الشباب لتغطية نفقات المعيشة يكمن الحل الحكومي الجرئ في تقديم قروض يُسددها الشباب من أجورهم.

وبذلك ينبغي على الحكومات تمكين الشركات من إدارة برامج التدريب المهني، وزيادة اهتمامها برفع مستوى التعليم وتأهيل الشباب لفرص التدريب، ووضع استراتيجيات لتوجيه الدعم المالي للشركات؛ كي تضمن توفير فرص عمل لجيل الشباب.

المصدر

الصور: 1 2