التصميم والتكنولوجيا أساسان لنجاح إنترنت الأشياء

تتوقع شركة “جارتنر” للأبحاث احتواء منزل الأسرة العادية على عددٍ يصل إلى خمسمائة جهاز مُتصل بالإنترنت بحلول عام 2020، وبالمثل تتوقع شركة “إريكسون” لتكنولوجيا الاتصالات بلوغ عدد الأجهزة المُتصلة بالإنترنت خمسين مليار جهاز في العالم خلال العام نفسه.

ويتطلب تحقيق هذه التوقعات المُرتفعة في غضون الأعوام الأربعة التالية إعادة توجيه جوهرية لطريقة عمل خبراء التكنولوجيا ومُصممي المنتجات لتطوير أجهزة شخصية ومنزلية مُتصلة بالإنترنت. ولن يكون بلوغ المرحلة التالية من إنترنت الأشياء أو “إنترنت الأشياء 2.0” بالأمر اليسير على الشركات. ولا يرجع ذلك إلى افتقارها إلى الخبرة التكنولوجية، وإنما إلى إخفاقها في إدراك أهمية التصميم في تطوير مُنتج مُتصل بالإنترنت، بحسب ما تناول سكوت نيلسون وبول ميتكساتوس في مقالٍ نشره موقع “هارفارد بزنس ريفيو”.

ومنذ عقود توافرت تقنيات الاتصال من آلة إلى أخرى M2M، وهي الأساس الأول الذي اعتمدت عليه لاحقًا تكنولوجيا إنترنت الأشياء التي تستهدف المستهلكين. وركزت تطبيقات المرحلة الأولى من إنترنت الأشياء أو “إنترنت الأشياء 1.0” إلى حدٍ كبير على تقديم تطبيقات تُلائم التعامل بين مؤسسات الأعمال وبعضها البعض B2B.

ولم تكُن اعتبارات تصميم المنتجات في عالم “إنترنت الأشياء 1.0” حاسمةً في إقناع المستهلكين بتبني العروض الجديدة. ونادرًا ما اشترطت المشروعات التي تشتري تطبيقات إنترنت الأشياء الحصول على تصميمات رائعة؛ نظرًا لأنها في أغلب الأحيان لم تُمثل المستخدم النهائي للمنتجات.

وعلى سبيل المثال، تُراقب الشركات المُشغلة لأساطيل الخدمات اللوجيستية حالة مركباتها وموقعها، وتُركز على تلبية المتطلبات التشغيلية والبيئية، وتُولي عنايةً أقل للمظهر المادي أو تجربة المستخدم في لوحة العدادات أو جهاز مُتصل بحجرة المُحرك في السيارة يختص بمتابعة بياناتها.

ومع ذلك، ففي ظل امتداد تطبيقات إنترنت الأشياء إلى مجموعةٍ أوسع من الفرص التجارية، تتحول تطبيقات المشروعات من توجه “مؤسسات الأعمال إلى مؤسسات الأعمال” B2B إلى احتساب المستهلكين أيضًا ضمن توجه “من مؤسسات الأعمال إلى مؤسسات الأعمال إلى المستهلك” B2B2C. وفي الوقت الراهن يتفاعل سائقو السيارات في أساطيل الخدمات اللوجيستية مُباشرةً مع أجهزة إنترنت الأشياء لمُتابعة حالتهم البدنية وسلوكهم في القيادة.

ووسط مساعي الشركات التي تُركز عملها على التبادل بين مؤسسات الأعمال وبعضها البعض للاستفادة من تطبيقات إنترنت الأشياء، لم يعد مُجديًا فرض التكنولوجيا كما هي على المستخدمين النهائيين المُحتملين. ويتزايد تأثير جاذبية تجربة المستخدم على طلب السوق، وسيصير تصميم المنتجات بالغ الأهمية في إقناع المستهلكين بتبني منتجات عالم “إنترنت الأشياء 2.0”.

وفي هذا العصر الجديد يتمثل المبدأ الرئيسي في أن إنترنت الأشياء بحد ذاته ليس المنتج النهائي؛ فإنترنت الأشياء ليس هاتف “آيفون” أو تطبيق مُتصل أو جهاز قابل للارتداء. ولا يشتري المستهلكون إنترنت الأشياء. وفي الواقع تُشير نتائج دراسات إلى أن أغلب المستهلكين لا يعون ماهية إنترنت الأشياء أو ما يُقدمه. ويُمكن لميزات الاتصال في إنترنت الأشياء تحسين قيمة منتج ما، لكنه لا يُشكل الأساس المنطقي لقرار المستهلكين بالشراء.

ويُسهِم سوء فهم دور إنترنت الأشياء في قائمة مُتنامية من الإخفاقات التجارية لمُصنعي المنتجات. وتتضمن مُبرراتهم للفشل مشكلات أمنية وتعقيدات في إدارة دورة حياة المنتجات ونقص العمل البيني. لكن في مُعظم الحالات يكمن السبب الرئيسي في دفع شركات إنترنت الأشياء، التي تتبع نماذج العمل التقليدية “من مؤسسات الأعمال إلى مؤسسات الأعمال” وقنواتها للتوزيع “من مؤسات الأعمال إلى مؤسسات الأعمال إلى المستهلك”، بالتكنولوجيا دون أن تهتم بتلبية احتياجات المستهلكين والتوافق مع أذواقهم.

ومن بين الأمثلة اللافتة على هذا النوع من إخفاق إنترنت الأشياء تراجع “ريفولف” Revolv التي تُقدم جهازًا مركزيًا للمنازل يتصل بمفاتيح الإنارة وباب المرآب وجهاز الإنذار ووحدة التدفئة وتكييف الهواء ونظام الترفيه. وأعلمت شركة “نست” Nest، التابعة لشركة “ألفابت” والمسؤولة عن “ريفولف”، المستهلكين الشهر الماضي بتوقف أجهزتهم عن العمل. وبذلك تُقدم “ريفولف” نموذجًا تقليديًا لمنتج يعتمد تكنولوجيا إنترنت الأشياء، ويتمتع بالكثير من ميزات التكنولوجيا مُقابل تخلفه في تلبية احتياجات المستهلكين.

ويحدث هذا الشكل من فرض التكنولوجيا؛ بسبب تقليل كل من الإدارة والهندسة من قيمة التصميم الفعّال للتعبير عن الصلات العاطفية والمادية مع المستخدم النهائي، ومنحهم قيمةً أعلى للوظائف التي يُؤديها المنتج بما يتجاوز تجربة المستخدم المُتوقعة أو الفعلية.

وحين يفشل المستخدمون النهائيون في التعامل مع منتجات إنترنت الأشياء، يُنظر إلى التكنولوجيا في أغلب الأحيان باعتبارها الداء والدواء في آنٍ واحد، ويبدأ الحديث عن الحاجة إلى تحسين الأمن، وتعزيز التشغيل البيني مع المنتجات الأخرى، وتطوير تطبيق للهواتف الذكية، بينما نادرًا ما تُحتسب وجهة نظر المستخدم النهائي، ولذلك تتواصل مُعاناة المنتج في الفوز بقبول السوق إلى أن تُقرر الإدارة التوقف عن دعم المنتج لتُنهي مسيرته.

ويُعتبر التصميم الفعّال للمنتج والابتكار نتيجة لعمليةٍ مُتكاملة ومدروسة تُركز على صنع الأشياء التي تُبسط وتُسعِد وتُثري حياة الناس. وبفضل ميزة التكامل التكنولوجي الأصيلة في إنترنت الأشياء وتقديمه تجارب جديدة للمستهلك، فإنه يتطلب مستوى أعلى كثيرًا من الشراكة بين التصميم والتكنولوجيا.

ولسوء الحظ يرى الكثير من خبراء التكنولوجيا وقادة مؤسسات الأعمال في مجال إنترنت الأشياء أن تصميم المنتج كتخصص والتزام مهني يُسهِم بالقليل في القيمة الجوهرية النهائية للمنتج ونصيبه من قبول السوق. ولن يكون تغيير هذا التحيز الراسخ أمرًا يسيرًا.

ويتطلب تخطي سوق الأجهزة المُتصلة بالإنترنت فقاعة الدعاية الحالية على مدى السنوات القليلة المُقبلة تأسيس احترام مُتبادل وإنشاء ديناميكية فعّالة للتكنولوجيا والتصميم. وفي الأسطر التالية عرض لخمس سُبل لبناء شراكات ناجحة بين التكنولوجيا والتصميم للنجاح في عالم “إنترنت الأشياء 2.0”:

أولًا: الاتفاق على عرضٍ واضح للمشكلة: ينطوي كل تطوير لمنتج جديد على مُعالجة مشكلة أو استثمار فرصة، لكن في أكثر الأحيان لا تعكس مسائل التقادم والهوامش والجودة احتياجات المستهلك. وينبغي لبيانات المشكلات تقدير قيمة المُنتج للمستهلك والإجابة عن أسئلة أساسية مثل سبب أهمية المنتج وما سيدفعه المستهلك للحصول عليه.

وتحتاج هذه الاستفسارات إلى أشخاص ذوي خبرة في التصميمات التي تتمحور حول المستخدم وعمليات التفكير في التصميم. وإذا لم يتمكن فريق العمل من تحديد مشكلة مهمة حقًا لعملائه أو لعملائهم، فلن يكون المنتج قابلًا للحياة.

ثانيًا: توظيف قائد مُتفهم للتصميم: غالبًا ما يتضمن فريق تطوير المنتجات شخص مسؤول عن قيادة الأنظمة ومُلم بالتكنولوجيا، لكن فيما يتعلق بعروض إنترنت الأشخاص يجب أن يتفهم هذا الشخص أيضًا المستخدم وتجربته، وإذا لم يُقدر دور التصميم في المنتج فينبغي حينها البحث عن قائد آخر.

ثالثًا: التعاون مع مصممين يتفهمون التكنولوجيا: يتطلب إنترنت الأشياء أسلوبًا في التصميم واعيًا بالتكنولوجيا. وتشمل تجربة المنتج حاليًا التحديثات والتكيف مع المنتجات الأخرى والتخصيص الشخصي والبيانات الضخمة. ولذلك ينبغي أن يتعاون المصممون على نحوٍ وثيق مع زملائهم المعنيين بالتكنولوجيا لفهم المُتاح والضروري في تصميم تجربة المستهلك.

رابعًا: اتباع نهج البناء والاختبار والتعلم: يستفيد إنترنت الأشياء أكثر من غيره من التقنيات من أساليب الشركة الناشئة المرنة أو الرشيقة. ويحتاج تواصل العائدات إلى تكرار تجربة المستخدم في سوقٍ يتواصل فيه تدفق المنافسين الجدد.

وفي هذه البيئة يكون التغيير المستمر أسوأ من نقص المبيعات؛ لأنه يُقلل العائدات بعد احتساب تكاليف اجتذاب المستهلكين. وبمقدور المصممين الحد من التغيير من خلال توفير تجربة يُفضلها المستهلكون، بالإضافة إلى مُراقبة سلوكياتهم والمحافظة على التجربة بناءً على ما تعلموه.

خامسًا: البساطة من أجل النجاح: يحتاج المستهلكون حلولًا بسيطة لمشكلات الحياة اليومية. وسيُعطي أي قدر من عدم الراحة في تجربة الاستخدام، حتى في خطوة ضرورية مثل الحاجة إلى تغيير البطاريات، المستخدمين سببًا للتوقف عن استخدام المنتج، ما يكون بمثابة إنهاءً لمسيرة عرض إنترنت الأشياء. ويتوجب على خبراء التكنولوجيا والمصممين التعامل مع إنترنت الأشياء وفقًا لمبدأ “القليل يعني الكثير”، الذي يُشير إلى قدرة الأشياء الأبسط والأقل تعقيدًا على تحقيق الهدف المنشود ونيلها تقديرًا أكبر من التعقيد.

وسيقود إنترنت الأشياء المرحلة التالية من تحويل الأعمال. واعتمدت الموجة الأولى من التغيير الذي أحدثه إنترنت الأشياء على التكنولوجيا وأكدته إمكانات الاتصال. وفي الموجة التالية من التطور ستكون الريادة لشركات تُحقق نجاحًا في السوق الواسع من خلال تغييرها طريقة تطوير عروض إنترنت الأشياء، وبدوره سيُغير هذا طريقة القيام بالأعمال.

ويتطلب تطور الأعمال شراكةً جديدة بين من يفهم رغبات المستخدم ويُدافع عنها من جانب ومن يفهم التكنولوجيا ويُدمجها في العمل من جانبٍ آخر. ويُمكن للطرفين معًا إنشاء عالم “إنترنت الأشياء 2.0”.

مصدر الصورة