هل تستطيع التكنولوجيا الحد من إهدار الغذاء والمُساعدة في إطعام العالم؟

على مستوى المنازل يشتري الكثيرون طعامًا يفوق احتياجاتهم لينتهي مصير الكمية الفائضة إلى صناديق القمامة، وهو ما يحدث في المتاجر والمطاعم والفنادق، وحتى قبل ذلك أثناء نقل الغذاء من المزارع إلى المصانع وخلال مراحل التبريد والتخزين والتوزيع. وتتحمل الأطراف كافة جانبًا من المسؤولية عن مشكلة إهدار الطعام التي تتفاقم طيلة الوقت.

ومما يُدلل على أهمية القضية وخطورتها أن تقليل الطعام المُهدر بمقدار الربع فقط سيُوفر ما يكفي من الطعام لجميع الأشخاص الذين يُعانون من سوء التغذية في العالم، بحسب “منظمة الأغذية والزراعة” أو “الفاو” التابعة للأمم المتحدة.

وبينما تحاول حكومات وشركات ومؤسسات خيرية وعددٌ من مشاهير الطهاة معالجة مشكلة إهدار الطعام بطرق مختلفة، يظل الواقع أن الدول المُتقدمة تُهدر سنويًا طعامًا يُساوي تقريبًا ما تنتجه الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى.

ويدفع ذلك للبحث في فرص الاستفادة من التكنولوجيا للحد من إهدار الغذاء سواءً على مستوى الأفراد من خلال تطبيقات الهواتف الذكية وآليات مُشاركة الطعام الزائد، أو من خلال مُتابعة عمل المزارع والتوفير من البداية، وصولًا إلى الفنادق والمطاعم وقنوات التوزيع.

تطبيقات لمشاركة الطعام الفائض

يسعى تطبيق “أوليو” Olio للهواتف الذكية للربط بين الجيران والشركات المحلية الراغبة في بيع أو مشاركة الطعام الصالح للأكل والفائض عن حاجتها، وتأمل المُؤسسة المُشاركة، تيسا كوك، أن يُعزز التطبيق “ثورة مُشاركة الغذاء”.

ويستطيع المستخدمون إضافة صور ما لديهم من طعام ووصفه وسعره وتفاصيل عن المكان والموعد الذي يُمكن فيه للآخرين الحصول عليه. ويَطلع غيرهم على الأطعمة المتاحة بالقرب من موقعهم الجغرافي، ويُنظمون طريقة استلام الطعام مع الطرف الآخر من خلال الرسائل الخاصة.

وقالت كوك، التي أسست الخدمة بالاشتراك مع ساشا سيلستيال-وان: “أنا ابنة مُزارع، ولذلك طالما كرهت إلقاء الطعام الجيد لأني أعرف من الخبرة المُباشرة مقدار الجهد اللازم لإنتاجه”. وأرجعت فكرة التطبيق إلى فترة انتقالها إلى الريف، ومرورها بتجربة وجود قدر من الطعام لديها دون أن تتمكن عائلتها من تناوله، وفي الوقت نفسه لم تتقبل فكرة إلقاءه في النفايات، كما لم تُفلح محاولاتها للعثور على شخص يحصل عليه.

ومنذ انطلاق تطبيق “أوليو”، المُتوافر لنظامي “آي أو إس” و“أندرويد”، في يناير/كانون الثاني الماضي، حصل عليه خمسون ألف مستخدم، ويسر التطبيق إجراء 250 ألف معاملة. ويُخطط للتوسع من المملكة المتحدة إلى ثلاثة وثلاثين بلدًا خلال هذا العام.

ومع ذلك، فلا تزال قضية إهدار الطعام بحاجة إلى الكثير من العمل والجهد. وفي المملكة المُتحدة تُلقي الأسر طعامًا صالحًا للأكل بقيمة تتجاوز 17 مليار دولار سنويًا، ونتيجةً لذلك تتكلف الأسرة في المتوسط 700 جنيه إسترليني أي ما يُعادل نحو 930 دولار، بحسب “برنامج عمل الإهدار والموارد” Waste & Resources Action Programme التابع للحكومة.

حلول لقطاع الضيافة

يبرز قطاع الضيافة والفنادق كأحد أبرز المتهمين بإهدار الطعام في العالم، وفي الدول المُتقدمة يُلقي هذا القطاع سنويًا أغذيةً بقيمة ثمانين مليار دولار إلى صناديق القمامة.

ولذلك طورت شركة “وينو” Winnow للتكنولوجيا برنامجًأ يعتمد على الحوسبة السحابية، ويُتيح للمطابخ التجارية تسجيل إهدار الطعام أثناء العمل وتحليل عملياتها الإنتاجية. ويقول مُدير تطوير الأعمال في الشركة، ديفيد جاكسون: “يُمثل إهدار الطعام في قطاع الضيافة مشكلةً قديمة”.

وأضاف: “تُظهِر المُعطيات المُتاحة لدينا أنه يتم إهدار ما بين 10 إلى 20% من الطعام الذي تشتريه المطابخ”، لافتًا إلى التكلفة الضخمة لذلك: “قد يُساوي إهدار الطعام في الواقع صافي الأرباح التي تجنيها المطابخ”.

ومنذ انطلاق شركة “وينو” في عام 2013 توسعت عملياتها لتشمل سبعة بلدان في قارتيّ أوروبا وآسيا، وتتعاون مع أكثر من مائتي مطبخ منها شركة “كومباس جروب” وسلسلة فنادق “أكور”. وتقول “وينو” أن الشركات التي تستخدم نظامها تمكنت من الحد من إهدار الطعام بمقدار النصف من ناحية القيمة.

محاولة للحد من إهدار الطعام في الحقول

ربما يكون من الأفضل الحد من إهدار الطعام ابتداءً من مرحلة الإنتاج. وفي ذلك تعمل شركة “فيتال فيلدز” VitalFields في ألمانيا وبولندا وإستونيا، وطورت برمجيات تُسجل مختلف خطوات الزراعة من البداية وحتى استخدام الأسمدة.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، مارتن راند، أن البرنامج يُحلل البيانات التي يجري جمعها ويُساعد المزارعين على إدارة مزارعهم بمستوى أعلى من الكفاءة والاستدامة. وفي كل شهر يشترك مئات المزارعين في بولندا وألمانيا في خدمة “فيتال فيلدز”، كما قال.

ولفت راند إلى دور الخدمة الاستشارية للشركة في منع تسرب عشرات الأطنان من النيتروجين إلى المياه الجوفية في مزرعة واحدة، وأسهم ذلك في توفير المال للمُزرِاع. واعتبر ذلك دليلًا على أهمية البيانات: “ذلك هو ما يدفعنا للقول أن البيانات هي الأسمدة التي ينبغي للمزارعين الإكثار منها”.

حلول لحفظ الأغذية أثناء النقل والتبريد

على الرغم من تطور تقنيات تخزين الأغذية، فإن الكثير من الطعام يَتلف ويُهدر أثناء انتقاله من الحقول إلى منشآت المعالجة والمطاعم والمتاجر الكبرى.

ومن بين الشركات التي تعمل في تحسين سلسلة التوريد “بي تي 9” BT9 الإسرائيلية التي تعمل في أوروبا وأمريكا الجنوبية. وتُقدم نظام “إكسينيس” Xsense الذي يستخدم أجهزة استشعار لاسلكية لمراقبة ظروف تخزين المواد الغذائية المُعرضة للتلف طيلة الوقت أثناء نقلها، ويُرسل هذه البيانات إلى المتعاملين لتنبيههم حال وقوع أخطاء أو مشكلات.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة، روب ويليامز، أن ضعف التحكم في دراجات الحرارة والرطوبة على امتداد سلسلة التوريد الباردة مثّل مشكلةً كبيرة لصناعة الغذاء، وإن كان توافر بيانات في الوقت الحقيقي يُساعد في الحد من إهدار الغذاء.

وأضاف ويليامز أن نظام شركته يسمح للشركات بتحسين جودة سلسلة التبريد جذريًا: “يُساعد في تقليل الهدر من خلال توفير رؤية واضحة على مدى عمر المُنتَج. تقيس أغلب الحلول الأخرى جزءًا مُحددًا ما يُنتج ثغرات في معرفة ما حدث على وجه الدقة”.

الاهتمام وتغيير أسلوب الحياة أولًا

مثل المشكلات الأخرى التي يُواجهها العالم لن تُفلح التكنولوجيا وحدها مهما تقدمت حلولها في إيقاف إهدار الطعام. وعلى الرغم من مجهودات شركات التكنولوجيا و”منظمة الأغذية والزراعة” والهيئات الحكومية، تُواصل مُعدلات إهدار الغذاء ارتفاعها.

وقال مسؤول الصناعات الزراعي في “الفاو”، روبرت فان أوترديجك، أن التكنولوجيا تُثبت دورها الرئيسي في معالجة المشكلة، لكن في نهاية المطاف سيعتمد النجاح على مدى استعدادنا لتغيير طريقة عيشنا. وأضاف: “دائمًا ما تكون الحلول التقنية قابلة للتوسع. وفي حال جمعها مع تغيير حقيقي في المواقف فمن المُرجح أن نشهد إقبالًا كبيرًا”. وأكد أوترديجك أنه إذا تواصل عدم الاهتمام فلن تستمر الحلول التقنية طويلًا.

المصدر

مصدر الصورة