التكنولوجيا ومشاركة المجتمع سبيل للتعامل الذكي مع النفايات

أسهم ظهور إنترنت الأشياء في الاعتقاد أحيانًا أن بمقدور التكنولوجيا إضافة صفة الذكاء إلى أي شيء، ويتكرر الحديث عن أنظمة المواصلات الذكية وشبكات الكهرباء الذكية والسيارات الذكية وغيرها الكثير. ويدفع ذلك إلى التساؤل عن مصير النفايات، ودور التكنولوجيا في التعامل معها على نحوٍ أكثر ذكاءً. وفي الواقع يحتاج ذلك إلى التكنولوجيا بقدر ما يتطلب سياسات فعالة وتعاون من المواطنين.

تستهدف المدن الذكية، من بين أمور أخرى، تحسين كفاءة الأنظمة سواءً كانت الطاقة أم المياه أم المواصلات. وتنقل أجهزة الاستشعار قدرًا هائلًا من البيانات وبإضافتها إلى التحليلات التي تتوصل إلى رؤى مفيدة من البيانات، فإنها تُتيح للمدن فهمًا أفضل لما يجري في الوقت الحقيقي أو قريبًا من الوقت الحقيقي، ما يقود إلى تكامل أفضل بين الهيئات والموارد وإدارة شاملة، ويعني تحسن مستوى الكفاءة إهدارًا أقل لموارد دافعي الضرائب.

وفيما يخص النفايات الصلبة والقمامة، فبينما يُشير الاسم إلى أشياء لا قيمة لها قد لا تُفيد كثيرًا وبالتالي مستوى مُنخفض من الكفاءة، إلا أن المجتمعات والمدن الذكية تُعيد تحديد الغرض الأساسي من أنظمتها من خلال اعتبار القمامة أحد مواردها، وتستهدف الوصول بالنفايات إلى الصفر.

ومع ذلك، وبغض النظر عن مدى ذكاء مدينة أو مجتمع ما، فلن يكون الوصول بالنفايات إلى الصفر هدفًا سهل المنال. ويتطلب بلوغه التنسيق بين عوامل مختلفة لا تقتصر على التكنولوجيا، بل تشمل أيضًا تفاعل المواطنين والإرادة السياسية.

ولا يُوجد شك في الدور المهم الذي سيضطلع به إنترنت الأشياء في تحقيق هذا الهدف. وعلى سبيل المثال يُمكن لتركيب أجهزة استشعار في مكبات النفايات وصناديقها تنبيه الإدارة عند امتلائها وحاجتها إلى التفريغ، الأمر الذي يُقلل الكثير من تكاليف الجمع. ومن المُمكن تعزيز الكفاءة أكثر من خلال نظام لاستعادة الموارد يسمح بمستوى أفضل من التنسيق في نقل المواد وتصنيفها وتوجيهها إلى منشآت إعادة التدوير وتصنيع الأسمدة.

لكن سيكون للبنية التحتية “الناعمة” دورها من خلال السياسات واللوائح والاستراتيجيات التي تُوجه إنشاء الأنظمة الحديثة للاستعادة وتشغيلها. وركز بحث جديد على مدينة لوس أنجليس في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، واعتبر فيه نيل سيلدمان، رئيس “معهد الاعتماد الذاتي المحلي” Institute for Local Self-Reliance، تفاعل المواطنين ونشاطهم فارقًا حاسمًا بين المستويات المرتفعة والمنخفضة من إعادة التدوير. والمعهد مؤسسة غير هادفة للربح تهتم بتطوير المجتمعات والاستدامة.

وعلى الرغم من ثبات معدلات إعادة التدوير عمومًا على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن المعدلات المرتفعة التي تُحققها بعض المدن الرائدة تدحض تفسير التراجع العام في تقدم إعادة التدوير بقلة قيمة المواد المُعاد تدويرها.

وكتب سيلدمان: “ليس الاقتصاد هو السبب وراء ثبات إعادة التدوير في أجزاءٍ من البلاد، وإنما ركود نشاط المواطنين. في الأماكن التي يستمر فيها نشاط المواطنين تُواصل معدلات إعادة التدوير تصاعدها وصولًا إلى مستويات غير مسبوقة”.

وتُقدم مدينة لوس أنجليس تحديدًا مثالًا على دور نشاط المواطنين وما يُمكنهم تقديمه. وفي مطلع ستينيات القرن العشرين بلغت مستويات إعادة التدوير في المدينة صفر تقريبًا. وحينها أنهى العمدة سام يورتي برنامجًا يطلب من السكان فصل المعادن من نفاياتهم، وقال أن البرنامج شاقٌ للغاية.

وبحلول منتصف الثمانينيات وفي ظل النمو السكاني والكميات الهائلة من النفايات التي فاضت بها مكبات النفايات في المدينة، جرى اقتراح حرق القمامة كحلٍ للمشكلة. واستهدف الاقتراح تشييد خمس محارق بطاقة ألف طن يوميًا لكلٍ منها في المناطق ذات الدخل المنخفض والخاصة بالأقليات. ولاقى الاقتراح مقاومة ائتلاف متنوع من الناشطين، وجرى التخلي عن هذا الاقتراح تمامًا في عام 1986.

وخلال السنوات التالية حددت مجموعة جديدة من القوانين على مستوى الولاية والمستوى المحلي مع مجموعة من السياسات والإجراءات تسلسلًا جديدًا لإدارة النفايات منح الأفضلية على الترتيب لتقليل إنتاج النفايات من الأصل، ثم إعادة الاستخدام، ثم إعادة التدوير، وانتهاءً بدفنها بطريقة سليمة بيئيًا.

وكنتيجة لذلك رفعت لوس أنجليس معدل تحويل النفايات فيها من 20.6% في عام 1990، إلى 65.2% في عام 2000، ثم إلى 76.4% في عام 2010. وتهدف المدينة حاليًا إلى الوصول بمُعدل تحويل النفايات إلى 90% بحلول عام 2025.

ويُوضح سيلدمان: “خلال ثلاثين عامًا تحولت لوس أنجليس من استراتيجية الحرق والدفن إلى استراتيجية الوصول بالنفايات إلى الصفر، وذلك دون الاعتماد على تكنولوجيا جديدة أو عصا سحرية ودون مصدر غير مُعتاد للتمويل”.

ولفت سيلدمان إلى دور مجموعات المواطنين المُنظمة على الرغم من الانقسامات العرقية والطبقية بالإضافة إلى دعم الشركات ولاحقًا الوكالات الحكومية في وضع برامج جديدة مبتكرة وتنفيذها. وقال أن هذه البرامج جعلت من مدينة لوس أنجليس رائدة في إعادة التدوير بين المدن الأمريكية الرئيسية.

ولا يُقلل التأكيد على دور مشاركة المواطنين من أهمية التكنولوجيا في جعل المجتمعات أكثر ذكاءً في إداراتها للنفايات، لكن لا يُمكن تجاهل دور البنية التحتية الناعمة المُمثلة في تفاعل المواطنين تُرافقه استراتيجيات وسياسات فعّالة من جانب الحكومة.

المصدر

مصدر الصورة