التنوع في بيئة العمل سبيل لدعم الابتكار

تُعلن مؤسسات كثيرة حرصها على زيادة التنوع في بيئة العمل. وبغض النظر عن مدى التزامها بذلك ودوافعها، فإن جمع فرق العمل بين الجنسين وأشخاص ينتمون إلى ثقافات وجنسيات متنوعة ليس شعارًا فارغًا، وأثبتت الأبحاث فوائد التنوع لنمو المؤسسات ونجاحها في اتخاذ القرارات والابتكار.

وخلص تقرير صدر العام الماضي من شركة “ماكينزي” إلى أن الشركات التي وفرت تنوعًا عرقيًا أكبر في وظائف الإدارة كانت أوفر حظًا بنسبة 35% في تحقيق عائدات مالية تفوق المتوسط العام في تخصصها، وكذلك زادت فرص الشركات الأعلى في التنوع بين الجنسين في جني عائدات أعلى بنسبة 15%.

وانتهى تحليل أجرته “كريدي سويس” للخدمات المالية وشمل أكثر من ألفي شركة إلى نجاح المؤسسات التي ضمت مجالس إدارتها امرأة واحدة على الأقل في الحصول على عائدات أعلى مقابل الأسهم وزيادة دخلها الصافي أكثر من المؤسسات التي خلت مجالس إدارتها من النساء.

وعلاوةً على المنافع الاقتصادية، أثبتت دراسات عدة أن فرق العمل المتنوعة أكثر ذكاءً؛ إذ أن العمل مع أشخاص مختلفين يُشجع المرء على تجاوز الطرق المألوفة في التفكير مُقارنةً مع فرق العمل التي تضم أفرادًا يتفقون ثقافيًا وعرقيًا، وتتميز فرق العمل المتنوعة بما يلي:

أولًا: التركيز على الحقائق:

يُسهِم وجود أشخاص من خلفيات متنوعة في دفع الأغلبية لزيادة مستوى الدقة. وقسمت دراسة مائتي شخص إلى مجموعات تُحاكي هيئات المحلفين، اقتصر بعضها على أعضاء بيض البشرة، بينما ضمت أخرى أعضاء من ذوي البشرة البيضاء والسوداء، وشاهدت كل مجموعة فيديو لمحاكمة متهم أسود وضحايا من البيض لتحديد ما إذا كان المدعى عليه مُذنبًا.

وعرضت المجموعات المتنوعة عددًا أكبر من الحقائق ذات الصلة بالقضية أكثر من المجموعات المتماثلة، كما ارتكبت أخطاءً أقل أثناء مناقشة الأدلة المُتاحة، وترتفعت احتمالات تصويبهم للأخطاء عن المجموعات الأخرى. ويرجع الاختلاف إلى اهتمام الحكام البيض في المجموعات المتنوعة بزيادة دقتهم في عرض الأدلة.

وفي دراسة أخرى طُلب من مجموعات تتمتع بخبرة مالية تسعير أسهم في سوق افتراضية. وكانت بعض المجموعات متنوعة عرقيًا والأخرى تضم أعضاءً من نفس الأصول. وتفوقت الفرق المتنوعة في اقتراح الأسعار الصحيحة للأسهم، بينما كانت المجموعات المتجانسة أكثر عرضة لأخطاء التسعير.

وغالبًا ما تحرص فرق العمل المتنوعة على التدقيق في الحقائق والموضوعية ومراجعة كل عضو لسلوكيات الآخرين، الأمر الذي يزيد الموارد المعرفية المشتركة وضوحًا ودقة. ومن شأن ذلك أن يلفت الموظفين إلى تحيزاتهم وتمسكهم بأساليب قديمة قد تصرف انتباههم عن معلومات أساسية وتقودهم إلى قرارات خاطئة.

ثانيًا: الدقة في معالجة الحقائق:

يُغيّر توافر قدر أكبر من التنوع في فرق العمل طريقة استيعاب المعلومات. وقسمت دراسة ناديًا لطلاب الجامعة إلى مجموعات يتألف كلٌ منها من أربعة أعضاء، ثلاثة منهم من الأعضاء القدامى وينتمي العضو الرابع إلى النادي نفسه في بعض المجموعات، وإلى نادٍ مختلف في مجموعات أخرى.

وكُلفت كل مجموعة بمراجعة تحقيق في جريمة قتل، على أن يبدأ الأعضاء الثلاثة نقاشهم لتحديد المشتبه به ثم ينضم إليهم لاحقًا العضو الرابع. وبينت النتائج أنه على الرغم من شعور المجموعات التي ضمت فردًا من نادٍ مختلف بقدرٍ أقل من الثقة في قراراتها الجماعية، إلا أنها نجحت أكثر من المجموعات التي انتمى أعضاؤها إلى نفس النادي في التوصل إلى المشتبه به الصحيح. ويرى العلماء أن تفوق الفرق المتنوعة على المتماثلة في اتخاذ القرارات الصحيح يرجع إلى عنايتها في معالجة المعلومات.

ثالثًا: تعزيز الابتكار:

تُشير الأبحاث إلى دور فرق العمل المتنوعة ثقافيًا وتلك التي تضم عددًا أكبر من النساء في زيادة الابتكار. وحللت إحدى الدراسات التنوع بين الجنسين في أقسام الأبحاث والتطوير في 4277 شركة أسبانية، وخلصت النتائج إلى ارتفاع معدلات تقديم الشركات التي تُوظف عددًا أكبر من النساء لمنتجات جديدة خلال عامين.

وجمعت دراسة أخرى بيانات حول أكثر من سبعة آلاف شركة ضمن المسح السنوي للشركات في العاصمة البريطانية لندن، وتوصلت إلى أن القيادات المتنوعة ثقافيًا زادت فرص الشركات في طرح منتجات جديدة أكثر من الشركات التي يُديرها أشخاص ينتمون إلى ثقافات متماثلة.

وفي حين يشعر كثيرون براحة أكبر في العمل مع أشخاص يتفقون معهم ثقافيًا وفكريًا، ينبغي الالتفات لمزايا إثراء فرق العمل بموظفين ينتمون إلى أعراق وجنسيات مختلفة ويتحدثون لغات متعددة وتتباين أساليبهم في التفكير، ودور التنوع في تعزيز التفكير الابتكاري والتحكم في التحيزات الفردية، وتشجيع الموظفين على مراجعة افتراضاتهم المسبقة. وتحتاج فرق العمل المتنوعة إلى تطبيق سياسات شاملة تضمن الاهتمام بآراء الجميع.

المصدر

الصورة