الجمع بين البيانات المفتوحة وواجهات برمجة التطبيقات لنفع الحكومات والمواطنين

طالما امتلكت إدارات المدن والحكومات المحلية قدرًا ضخمًا من المعلومات حول الأنشطة اليومية، لكن لم تتوافر لديها الطرق المُناسبة والكافية لإتاحة البيانات ونشرها بطريقة تُيسر على موظفي الحكومة والسكان فهمها والاستفادة منها.

وخلال السنوات الأخيرة شهدت الاتجاهات حيال إتاحة البيانات تغييرًا كبيرًا بدءًا من الدعوات لزيادة الشفافية في الإجراءات الحكومية وتيسير نشر المعلومات، وانتشرت الفكرة في أوساط القطاع العام، لكن ظهر تأثيرها الأكبر على الصعيد المحلي حيث يزداد تفاعل المواطنين مع حكوماتهم.

وأوجز مُختبر أبحاث “جوف لاب” GovLab الذي تديره “جامعة نيويورك” الأمريكية التغيير الذي أحدثته البيانات المفتوحة في أربعة مجالات:

  • حسنت البيانات المفتوحة العمل الحكومي من خلال دورها في زيادة الشفافية ومُحاربة الفساد والارتقاء بالخدمات العامة بطرق جديدة ومُبتكَرة.
  • ساعدت البيانات المفتوحة المواطنين على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا، كما يسرت الحشد الاجتماعي اعتمادًا على وسائل جديدة للاتصال والوصول إلى المعلومات.
  • تدعم البيانات المفتوحة الابتكار، بالإضافة إلى دورها في تعزيز النمو الاقتصادي وتوفير فرص عمل جديدة.
  • تلعب البيانات المفتوحة دورًا مُتزايد الأهمية في توفير طرق جديدة تُمكّن المواطنين وصُناع السياسات من تقييم المشكلات، وتُسهِّل المشاركة المدنية، وتُعزز التعاون.

وبدأت الحكومات في إتاحة بياناتها من خلال بوابات ومواقع الويب، لكن هذه المساعي المُؤقتة والمُنعزلة نوعًا ما أثمرت نتائج مُتباينة فيما يخص تحقق فوائد البيانات المفتوحة. وفي بعض الحالات لم تتوافر البيانات فعليًا بسبب النُسق أو الصيغ المُستخدمة في نشرها. كما أخفقت المدن في تطوير واجهات برمجة التطبيقات Application Programming Interface أو API التي يُمكن للمطورين استخدامها في توظيف البيانات واستثمارها في تقديم خدمات نافعة.

واتسمت المحاولات الأولى لتطوير “واجهات برمجة التطبيقات” بطابعٍ غير رسمي، وغالبًا ما كانت جزءًا من ملتقيات المطورين أو “هاكاثون”. لكن إدراك المدن دور “واجهة برمجة التطبيقات” في تشجيع تقديم أنواع جديدة من الخدمات للحواسيب المكتبية والأجهزة المحمولة عزز الاتجاه إلى إضفاء الطابع الرسمي عليها، وأدى الجمع بين “واجهات برمجة التطبيقات” والبيانات المفتوحة إلى تقديم تطبيقات تضيف صفة الذكاء على المدن.

وعلى سبيل المثال، أطلقت الكثير من المدن برامج لمشاركة ركوب الدراجات، لكن بعضها دعم مطوري البرمجيات في تقديم تطبيقات للهواتف الذكية تُرشد راكبي الدراجات إلى أفضل المسارات المُمكنة لبلوغ وجهاتهم. وتسمح “واجهة برمجة التطبيقات” المُطورة جيدًا لمستخدميها بالاستعلام عما يهمهم من بيانات والحصول على إجابات.

وتتجاوز أهمية “واجهة برمجة التطبيقات” دورها كسبيل لربط المستخدم بالبيانات بطريقة مُبتكَرة، وتُمكن المواطنين من إنجاز أمور جديدة بكفاءة. وتُقدم مدينة برشلونة الأسبانية نموذجًا رائدًا على نشر واجهات برمجة التطبيقات في الإدارات الحكومية المختلفة مثل النقل والبيئة والأراضي وبيانات الشركات. كما تُوفر المدينة منصة مفتوحة المصدر للبنية التحتية تستفيد من واجهات برمجة التطبيقات للوصول إلى بيانات أجهزة الاستشعار التي تُراقب درجة الحرارة ونوعية الهواء وجمع القمامة وحركة المشاة وانتظار السيارات.

ويحتل توفير واجهات برمجة التطبيقات أهمية بالغة في المدن حتى أن الاتحاد الأوروبي أطلق مبادرة “عدة تطوير خدمات المدن” City Service Development Kit التي تدعم تطوير واجهات برمجة التطبيقات مُوحدة وتُلائم منصات حاسوبية مختلفة، وتستطيع المدن استخدامها لتحويل بيانات مكالمات الاستفسارات غير الطارئة إلى أنواعٍ جديدة من الخدمات، وربط المواصلات مع البيانات الجغرافية لتوفير حلول التنقل، إلى جانب واجهات برمجة التطبيقات التي يُمكنها توفير خدمات للسائحين اعتمادًا على موقعهم الجغرافي.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية أقدمت مدنٌ منها بوسطن ونيويورك وسان فرانسيسكو وسياتل على نشر بياناتها وتطوير واجهات لبرمجة التطبيقات، واكتسبت فيلادلفيا مكانةً رائدة بفضل بياناتها المفتوحة وتحولها إلى إحدى أكبر الأطراف الحكومية المستخدمة لمنصة “جيت هَب” GitHub التي تستضيف مشروعات تطوير البرمجيات وتدعم التعاون والتطوير السريع لبرمجيات وخدمات تعتمد على البيانات المفتوحة للمدينة.

ولا تقتصر أهمية البيانات المفتوحة وواجهات برمجة التطبيقات على نفع المواطنين، بل تُعتبر أيضًا أداة فعّالة للتنمية الاقتصادية. وتُقدر شركة “ماكينزي” للاستشارات إسهام البيانات المفتوحة في الاقتصاد العالمي بأكثر من 3 تريليون دولار. وضمت قائمة “أوبن داتا 500” Open Data 500 التي نشرها مختبر “جوف لاب” شركات تستفيد من المعلومات التي تنشرها الحكومة الأمريكية.

وبطبيعة الحال لا يكفل نشر البيانات وحده تحقيق التنمية الاقتصادية، بل يتعين تقديم البيانات في نسقٍ مُوحد تستطيع الشركات استخدامه، كما ينبغي تحديثها باستمرار. وتحتاج المدن إلى تحديد البيانات التي ستُتيحها، وهو أمر مهم في ظل التكاليف الخفية المُرتبطة بنشر البيانات. وفي نهاية المطاف ستلمس الحكومات التي تتبع أفضل الممارسات جدوى مبادراتها للبيانات المفتوحة من ناحية التكلفة وتقديمها قيمة أكبر للجمهور عمومًا.

المصدر والصورة