“الحزمة الأسبوعية”: شبكة من المُوزعين تُوفر بديلًا مؤقتًا للإنترنت في كوبا

يُواجه الاتصال بشبكة الإنترنت في كوبا مشكلات عدة بدايةً من الانتشار المحدود وبطء السرعات والرقابة وارتفاع التكاليف، ويتوافر أساسًا في الجامعات ومنازل الأجانب وفي الفنادق الفاخرة بأسعار تفوق إمكانات أكثر المواطنين، ولا تتعدى نسبة المنازل المُتصلة بالإنترنت 5%.

وفي ظل مرور ستة وخمسين عامًا على الحكم الشيوعي للجزيرة إلى جانب القيود الأمريكية على التجارة، يبحث مواطنو كوبا عن حلولٍ مُبتكرة لمُشكلات الحياة اليومية التي يُعد ضعف الاتصال بشبكة الإنترنت أحدها، ووجد كثيرون سبيلًا للاتصال بالعالم من طرفٍ واحد على الأقل بالحصول على محتواهم المُفضل من الإنترنت، من خلال ما يُعرف باسم El Paquete Semanal ما يعني “الحزمة الأسبوعية” التي تصل إلى منازل المشتركين أسبوعيًا، بحسب ما تناول تقرير نشره موقع “بي بي سي”.

وتتألف الحزمة من تيرابِت من البيانات تشمل الموسيقى وأحدث الأفلام والمسلسلات التلفزيونية الأمريكية والكورية والبرازيلية، وألعاب الفيديو، وتطبيقات الهواتف الذكية، وأحدث أعداد المجلات الكوبية والأجنبية مثل “ناشيونال جيوجرافيك” و”إيكونوميست” بعد أيام وربما ساعات من نشرها، ومواقع إخبارية وأخرى متخصصة في التكنولوجيا، بالإضافة إلى الإعلانات. وتفتقر بطبيعة الحال إلى حيوية التفاعل في المدونات والشبكات الاجتماعية.

ولم تُوفر “إلباكيت سيمنال” فقط فرصة للأفراد لمتابعة ما يجري في العالم ومُشاهدة محتوى كان من شبه المستحيل الوصول إليه، لكنها أيضًا أتاحت المجال لتأسيس مشروعات كوبية في مجال الإعلام تتجاوز القيود الحكومية، ولانتشار الشركات الصغيرة من خلال الإعلانات.

وينقل الموزعون “الحزمة الأسبوعية” عبر الحافلات والطائرات لتصل إلى مُختلف مدن كوبا التي يعيش فيها نحو أحد عشر مليون نسمة. وتتولى شبكة التوزيع المُعقدة نقل “إلباكيت سيمنال” إلى منازل المشتركين كل أسبوع بالاستعانة بالأقراص الصلبة المحمولة ووحدات التخزين الفلاشية، بما يشبه عمل مسؤولي توصيل الجرائد المطبوعة إلى المنازل. ويجري ذلك كله في غياب إطار قانوني، ودون الالتفات إلى حقوق نشر المحتوى المقروء والمرئي.

ويغلف الغموض تفصيلات تجميع “إلباكيت سيمنال” وتوزيعها، لدرجة أن البعض يُشبهها بعصابات المخدرات؛ إذ لا يعرف الموزعون سوى الدوائر القريبة منهم دون الأشخاص الذين تولوا تنزيل المحتوى من الإنترنت. لكن الخدمة لبت جانبًا من حاجات الكثيرين في كوبا، ولاسيما من الشباب الذين امتلكوا منذ سنوات حواسيب وهواتف ذكية في انتظار توفير الحكومة الكوبية للإنترنت على نطاقٍ واسع.

El Paquete Semanal بديل للإنترنت في كوبا

تتولى شبكة معقدة وواسعة من الموزعين إيصال “إلباكيت سيمنال” أو “الحزمة الأسبوعية” إلى المشتركين أسبوعيًا في مختلف المدن الكوبية

ويختار مشتركو الحزمة المحتوى الذي يريدونه، ومنهم آنا لورين، وهي صحفية في الرابعة والعشرين من عمرها وتعيش في العاصمة هافانا، وقالت لورين: “يُعد (إلباكيت سيمنال) شكلًا سهلًا للحصول على مقاطع الفيديو والموسيقى والمسلسلات، كل شيء. يمكنك الحصول على كل ما تريد”.

وتهوى لورين تحديدًا الأفلام الوثائقية، وتنتظر وصول موزع “إلباكيت سيمنال” إلى منزلها يوم الاثنين من كل أسبوع. وأشارت إلى إمكانية اختيار نسخ المواد التي تريدها فقط: “إذا لم أرغب في نسخ الموسيقى هذا الأسبوع فلست مضطرة لذلك. أنسخ فقط الأشياء والعروض التي أرغب في استخدامها هذا الأسبوع”. وتدفع لورين مبلغًا يتراوح بين دولار إلى دولارين بحسب قدر المحتوى الذي تختار نسخه.

ولا يقتصر دور “إلباكيت سيمنال” على توفير المحتوى المطلوب للمستخدمين كأفراد، بل مهدت الطريق أمام مشروعات إعلامية جديدة. ومنها مجلة “فيستار” Vistar التي تُعد واحدة من أبرز المطبوعات الثقافية في كوبا، وفي حين يقرأها المغتربون عبر الإنترنت، يطلع أغلب جمهورها في كوبا على أعدادها من خلال ملفات “بي دي إف” تصل إلى مُشتركي “إلباكيت” أسبوعيًا.

وتُعلق الصحفية أنطوانيت دوكين، التي تكتب في “فيستار”: “نُوجد على الإنترنت، لكن لدى (إلباكيت سيمنال) مجموعة واسعة من الموزعين، وتُباع في مختلف أنحاء البلاد، لذلك هذه هي الوسيلة الأفضل لنا للتواصل مع جمهورنا”.

ولفتت دوكين إلى ما أتاحته “إلباكيت سيمنال” من فرص للعمل أمام الصحفيين في بلدٍ تمتلك فيه الدولة مختلف وسائل الإعلام، وقالت: “تُتيح (إلباكيت) آفاقًا في الإعلام لأشخاصٍ مثلي؛ لأنها تمنحنا الفرصة للقيام بأشياء لم تتخيل القيام بها من قبل. إذا ما رغبت في العمل في الإعلام، كان الإعلام الرسمي هو الخيار الوحيد”.

وتتفق مع هذا الرأي أستاذة الصحافة في “جامعة هافانا”، إيلين دياز، التي تعمل على إصدار مجلة باسم Periodismo Del Barrio، ما يعني صحافة الجوار، من خلال “إلباكيت سيمنال” بالإضافة إلى نشرها على الإنترنت، وقالت: “من قبل امتلكت الدولة جميع وسائل الإعلام، والآن لدينا طرقًا خفية للنشر دون الحاجة إلى تصريح”.

El Paquete Semanal في كوبا حل بديل للإنترنت

تتضمن “إلباكيت سيمنال” قسمًا للإعلانات المبوبة إلى جانب إعلانات عن الشركات المحلية تراف محتوى كالأفلام والبرامج

ويُمكن اعتبار “إلباكيت سيمنال” وسيلة شاملة للإعلام لا تخلو من جانب للإعلانات المبوبة مثل “ريفوليكو” Revolico الذي يتضمن أقسامًا للوظائف والمنازل والأثاث، ودليل “ألاميسا” AlaMesa الذي يشمل ستمائة مطعم، ويسمح للمطاعم بنشر إضافات كعروضها الخاصة وقوائم الطعام مُقابل رسوم للإعلان.

كما تستضيف “إلباكيت سيمنال” إعلانات للشركات المحلية كمراكز التجميل والمصورين والمطاعم، وتتولى شركة “إيتريس” ETres إنتاج الإعلانات وبثها في نهاية البرامج والأفلام المعروضة ضمن “إلباكيت سيمنال”.

وعلى الرغم من نجاح “إلباكيت سيمنال” وإقبال المشتركين، إلا كوبا قد تشهد نهاية خدمتها المبتكرة لتوفير الإنترنت قريبًا، بعدما أعلنت حكومتها مُؤخرًا عن تخفيف الضوابط الصارمة على الإنترنت، ووفرت خمسة وثلاثين منطقة مزودة باتصال واي فاي في الأماكن العامة.

ويُمكن استخدام الإنترنت في تلك المناطق نظير دولارين في الساعة، وهي تكلفة تتجاوز إمكانات أغلب المواطنين الذين يجني أغلبهم ما يُعادل عشرين دولارًا شهريًا، لكن تُشير الخطوة عمومًا إلى استعداد الحكومة نسبيًا للتسامح مع استخدام الإنترنت، ما سيعني توقف “إلباكيت سيمنال”، وهو ما يعتقد موزعوها باقتراب حدوثه.

وحينها ستواصل تطبيقات ومجلات مثل “فيستار” عملها في موقعها على الإنترنت. وفي كل الأحوال، سيذكر الكوبيون “إلباكيت سيمنال” كثيرًا كحلٍ مُؤقت وفر لآلاف الأشخاص فرصة للإطلاع على ما يجري في العالم حين غابت البدائل الأخرى.

مصادر الصور: 1 2 3

One Response

  1. محمد