الحواسيب والبرمجيات تغير مستقبل الوظائف والعاملين

في كل يوم تُعرض الكثير من الوظائف في سوق العمل، ويتنافس عليها آلاف الأشخاص ممن يجدون في أنفسهم المؤهلات المطلوبة، لكن المنافسة لم تعد تقتصر على البشر منذ انطلاق الثورة الصناعية، وحلت الآلات مكانة أعداد كبيرة من العمال، وألغت وظائف تقليدية، واكتسبت الآلات والحواسيب قدرةً أكبر على المنافسة مع الثورة المعلوماتية التي تصدرتها أجهزة الحواسيب وتطبيقاتها.

وظل العاملون في وظائف المعرفة مثل المحامين والمهندسين والأطباء والمحاسبين إلى حدٍ كبير بمنأى عن عواصف التغيير، لكن يبدو أن هذا الصمود لن يستمر طويلًا وخاصةً مع التطور السريع للحواسيب والذكاء الاصطناعي والروبوتات، بالإضافة إلى أن بعض هذه الوظائف تتألف من خطوات قياسية، وتُتخذ القرارات فيها بناءً على البيانات.

ويتجلى ذلك في اتجاه شركات الخدمات المالية إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة التوافق مع القوانين والقواعد الحكومية، مثل اكتشاف عمليات غسيل الأموال والغش والتلاعب. وتستخدم الحواسيب في هذا تقنيات مثل معالجة اللغات الطبيعية. ولا يقتصر مجال مراقبة التوافق مع اللوائح على المصارف والشركات المالية، بل يشمل أيضًا شركات الرعاية الصحية وصناعة الأغذية، وحتى خطوط الطيران التي تُطبِق قواعد مكافحة الإرهاب.

ويعتمد التوافق الحكومي للمؤسسات على مراقبة التزام المؤسسة بمجموعة كبيرة من القوانين، ومراقبة البيانات التي يتبادلها العملاء والموظفون، ويُعد دور البرامج الآلية ضروريًا في ظل تعدد القوانين التي تسنها الحكومات، وتُطالِب قطاعات الأعمال بالالتزام بها.

وفي الماضي القريب تجاوز الطلب على المتخصصين في هذا المجالات قطاعات كثيرة، وهو ما تغير الآن مع دخول الآلات. وجاء التغيير سريعًا؛ فقبل عامين فقط نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية تقريرًا يتحدث عن المستقبل المشرق الذي ينتظر العاملين في قطاع مراقبة التوافق الحكومي.

ومع ذلك، فلن تتمكن البرمجيات من إنجاز مختلف المهام المطلوبة، وستتولى الخطوات الرتيبة المُتكررة المُعتمدة على المعلومات، وتُنبه عند رصد مخالفات محتملة للقوانين، وتدع التقصي والقرار النهائي للموظفين من البشر.

ويُمثل التوافق مع القوانين واللوائح الحكومية عبئًا كبيرًا على الحكومات التي تراقب التزام قطاعات الأعمال المختلفة، كما يُثقل كاهل المؤسسات الخاصة، ويستنزف نصيبًا كبيرًا من مواردها المالية والبشرية كانت ستُوجه إلى الإبداع في عملها الأساسي.

وخلال ثمانينات القرن الاعشرين طرح بيتر دراكر، أحد أهم المفكرين في مجال الإدارة، مشكلة ارتفاع تكاليف إدارة التوافق مع القوانين الحكومية بالنسبة لقطاعات الأعمال المختلفة، ولاسيما بالنسبة للشركات الناشئة، واعتبر أن النمو المُطرد في المصاريف الإدارية الخفية يُمثل المرض الخطير الذي يُهدد الدول المتقدمة.

وأوضخ أن هذه العملية الخفية تستنزف المال والوقت والكثير من الموارد البشرية، وربما لا تظهر تكاليفها في الميزانية الرسمية، لكنها تتضح مثلًا في استغراق ممرضة أكثر من نصف وقت العمل في ملء استمارات وكتابة تقارير للتوافق مع اللوائح الرسمية، كما تتجلى في عمل جزء كبير من الهيكل الإداري لجامعة على ضمان التوافق مع القواعد، وعمليًا تدفع شركات الرواتب لنسبة معتبرة من موظفيها ليُؤدوا مهام جمع الضرائب لصالح الحكومة.

اليوم، وبعد مرور أكثر من 30 عامًا على ما طرحه دراكر، تتقدم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لتولي مسئولية تلك الأعمال الروتينية المُتكررة التي تحملها البشر لعقود طويلة. وبالتالي ينبغي النظر للتغيير من منظور دور الآلات والبرمجيات في تعزيز الإمكانات البشرية وليس التشغيل الآلي فقط، وإسهامها في توفير الموارد البشرية والمالية واستثمارها في تقديم قيم حقيقية مُضافة لصالح المؤسسات وقطاعات الأعمال والإنسانية، وليس من منظور احتلال الآلات وظائف البشر.

المصدر والصورة