الدروس الأولى من تجربة الهند في إلغاء الأوراق النقدية

مضت أكثر من أربعة أشهر على قرار الحكومة الهندية إلغاء التعامل بفئتين من الأوراق النقدية الكبيرة تُمثلان 86% من النقود المتداولة بهدف تقليص الفساد. وأثار القرار بمخاطره ورهاناته الكبيرة قدرًا غير قليل من الفوضى والانتقادات في أكبر ديمقراطية في العالم، واعتبره البعض نموذجًا لأخطاء السياسة والتنفيذ.

وخرجت الهند من تجربتها بقليل من الندوب الواضحة. وفي حين لم يتكشف بعد قدر إسهام القرار في مكافحة الفساد، إلا أن حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي حققت انتصارًا في انتخابات على مستوى الولايات في شهر مارس /آذار اعُتبرت استفتاءً على قرارها سحب النقود من التداول.

وتدفع تجربة الهند ومآلاتها الغريبة، إلى الآن على الأقل، للتساؤل عما إذا كانت البلاد قد حققت معجزةً نقدية وسياسية، كما تُقدم أفكارًا مُفيدة بشأن النقود والفساد والبيانات والاقتصاد الرقمي، وفيما يلي بعضها:

إلغاء أوراق نقدية ليس السبيل الأمثل لاقتلاع الفساد:

كانت الغاية الرئيسية المُعلنة للقرار فضح ما يُسمى بالسوق السوداء، أي اكتساب الأموال بطرق غير مشروعة وإخفاءها للتهرب من الضرائب. ويُشكل هذا الاقتصاد الموازي عقبةً كبيرة أمام الاقتصاد الهندي، وبحسب بيانات نُشرت مؤخرًا دفع 1% فقط من الهنود الضرائب على الدخل في عام 2013.

وعند إعلان القرار منحت الحكومة الهندية المواطنين مهلةً حتى الثلاثين من ديسمبر/كانون الثاني 2016 لإعادة النقود من فئتي 500 و1000 روبية إلى المصارف واستبدالها، ودون ذلك سيخسرون قيمتها. واستنادًا إلى تقرير من “بلومبرج” تلقت المصارف بحلول الموعد النهائي 14.97 تريليون روبية ما يُعادل تقريبًا 220 مليار دولار، وتُمثل 97% من أصل 15.4 تريليون روبية قيمة العملات المُلغاة.

وفي حين لم تُعلن السلطات رسميًا القيمة الفعلية للنقود التي أُعيدت إلى المصارف وتصنيفها من ناحية مشروعية الكسب، فمن المُؤكد أن أغلب الأوراق النقدية قد أُعيدت بالفعل. ويُخالف ذلك توقعات سابقة بأن الثروات الخفية لن تعود إلى المصارف خوفًا من اكتشاف أصحابها. وفي الواقع توصل المواطنون إلى طرق مختلفة لاستبدال الأوراق النقدية.

ويرى البعض أن الخيار الأفضل كان إلغاء التعامل بأوراق نقدية من فئات أقل استخدامًا بدلًا من فئتي 500 و1000 روبية (تقريبًا 7.5 و15 دولار على الترتيب) بانتشارهما الواسع الذي مدد آثار الإلغاء لفئات متنوعة من الطيف الاجتماعي والاقتصادي ومنهم الفقراء.

وعلاوةً على ذلك لا تُعد الأموال النقدية الوسيلة المُفضلة لدى الفاسدين لإخفاء مكاسبهم. وتوصل تحقيق حول ضرائب الدخل إلى أن عاميّ 2015 و2016 شهدا الاكتشاف الأكبر للثروات غير المشروعة في الهند، منها 6% كأموال نقدية، واسُتثمرت النسبة المتبقية في الشركات والعقارات والمجوهرات وشراء أصول ونسبتها إلى آخرين.

وقال بعض خبراء القانون أن إلغاء التعامل بالأوراق النقدية يُخالف القانون، ورأوا أن الإلغاء المُفاجئ للدين العام المُستحَق على الحكومة لحاملي الأوراق النقدية يعني استيلاء الحكومة على الممتلكات المنقولة للأفراد دون تقديم بديل أو تعويض. وفي المُقابل تتطلب سياسة اقتلاع الفساد نهجًا شاملًا يتضمن حوافز وعقوبات لتشجيع التغيير الثقافي والمؤسسي والسلوكي على المدى الطويل، بينما لا تُجدي الحلول المباشرة والصادمة كقرار الحكومة الهندية نفعًا.

ابتكارات المدفوعات الرقمية:

بالتأكيد كانت الشركات التي تُقدم حلول الدفع عبر الهواتف ومحافظ المحمول هي الفائز الأكبر، وتتصدرها “باي تي إم” Paytm بعدد مستخدمين يبلغ 170 مليون، وقالت الشركة أن حجم المرور على خدماتها زاد بنسبة 435%، كما ارتفعت التعاملات وقيمتها بنسبة 250%. ويُمكن القول أن الزيادة طبيعية على الأقل بالنسبة لامتلاك 17% من السكان هواتف ذكية في مطلع عام 2016.

وأبرزت الأزمة إمكانات الابتكار لدى الحكومة الهندية كما في تطبيق BHIM الذي يسمح بالتحويلات الإلكترونية بين الحسابات المصرفية، ويتطلب إدخال رقم الهوية الفريد لكل مواطن “أدهار”، ويعمل على الهواتف المحمولة العادية دون الحاجة إلى هواتف ذكية مُتصلة بالإنترنت.

وعلاوةً على ذلك، أُعدت خطط لفرض المدفوعات الرقمية في محطات الوقود والمستشفيات ومنع التعاملات النقدية التي تتخطى قيمتها 4500 دولار كليًا. كما لن تُحصّل السكك الحديدية رسومًا على حجز التذاكر عبر الإنترنت، وألغت الحكومة الرسوم الجمركية على أجهزة نقاط البيع وأجهزة قراءة البصمات. وبغض النظر عن أخطاء السياسات الحكومية فقد أطلق قرار إلغاء التعامل بالأوراق النقدية شرارة نظام شامل من المدفوعات الرقمية والتقنيات المُلائمة للمستهلكين والسياق المحلي.

صفوف انتظار طويلة لاستبدال العملات الملغاة في الهند

دفع قرار إلغاء التعامل بالأوراق النقدية ملايين الهنود للتوجه إلى المصارف لاستبدال ما لديهم ما تسبب في ازدحام وانتظار لساعات على مستوى البلاد

الأهمية البالغة لنوعية البيانات والسياق:

قدّر “المكتب المركزي للإحصاء” في الهند نمو الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 7% خلال الربع المنتهي في ديسمبر 2016، ويتفق مع التوقع السابق للمكتب قبل قرار إلغاء التعامل بالأوراق النقدية، ما يعني أن الخطوة لم يكن لها تأثير على الاقتصاد، وهو أمر يُثير الدهشة بالنظر إلى التقارير التي تناولت إغلاق المصانع والشركات الصغيرة وخسارة العمال لرواتبهم وتأجيل بعض المشروعات.

وهناك عدة إشكالات ترتبط بأرقام “المكتب المركزي للإحصاء” أولها: الفجوة الزمنية بين إصدار التقديرات والبيانات الفعلية. وتستند الكثير من التقديرات على بيانات تاريخية تقل موثوقيتها كثيرًا في حالة حدث مُماثل. وثانيًا: الدور الكبير للقطاع غير الرسمي في الاقتصاد الهندي، ووفقًا لأحد التقديرات يُنتج 45% من الناتج الإجمالي للبلاد ويُوظف 94% من القوى العاملة. ومع ذلك يصعب جمع بيانات موثوقة عنه، كما أنه أكثر اعتمادًا على التعاملات النقدية وتضررًا من إلغاء بعض فئاتها.

وأخيرًا: تفتقر الهند إلى بيانات معتمدة حول مبيعات التجزئة، ولذلك يُضطر خبراء الإحصاء لاستخدام حجم الإنتاج لتقدير إنفاق المستهلكين. ومما يُفاقم هذه التحديات اقتصار بيانات الإنتاج على الشركات المُسجلة فقط، وبذلك تغيب الشركات غير المسجلة والمنتجين الصناعيين غير الرسميين الذين تأثروا مُباشرةً بقرار الحكومة.

وبالنظر إلى بعض البيانات الإضافية حول أداء الشركات خلال الربع الأخير من العام المنصرم يتبين تباطؤ النمو في مبيعات المنتجات الاستهلاكية والجرارات الزراعية وسيارات الركاب والدراجات النارية، وكذلك في الشحن بواسطة القطارات وإيرادات الضرائب على الخدمات. ودفع ذلك بعض خبراء الاقتصاد لتقدير نمو الناتج المحلي الإجمالي للهند خلال تلك الفترة بنسبة 6.4% بدلًا من 7%.

وفي واقع الأمر لا يحكم الجمهور على إجراءات حكومة مودي استنادًا على مسائل غامضة مثل قدر الأموال المُودعة في المصارف ونسبة الأصول النقدية غير المشروعة وتعقيدات حساب نمو الناتج المحلي الإجمالي. ومع الإقرار بالصعوبات التي واجهها جميع المواطنون نتيجةً للقرار، إلا أن الرسالة الأساسية التي قدمها كانت أن الحكومة تعمل وتتخد خطوات حاسمة نيابةً عن عامة الناس لمحاربة الفساد. وأشار مودي إلى تلك الفكرة في تجمع انتخابي في ولاية أوتار براديش هذا الشهر، ومنحت أكبر الولايات الهندية سكانًا حزبه نصرًا انتخابيًا ساحقًا.

وبينما يعيش العالم عصر البيانات الضخمة والتحليلات انتصرت، فيما يظهر، قصصٌ مُؤثرة بنهايات تُناقض براهين الواقع مثل نتيجة استفتاء انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي وفوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأمريكية، وما حدث في الهند وربما يتكرر في أماكن أخرى.

المصدر

الصور: 1 2