الذكاء الاصطناعي: تهديد للديمقراطية وداعم لها

لا تسلم السياسة من تأثير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على أكثر من مستوى، وبات من الواضح محاولات استخدامه في تغيير توجهات الناخبين وتقديم انطباع بوجود دعم قوي لمرشح أو حزب، وإن لم يتكشف بعد حجم هذا التأثير على النتائج النهائية. ويُضاف إلى ذلك تشويش القرصنة واختراق الأمن الإلكتروني على سير الانتخابات ونزاهتها، وجميعها أسباب تُبرر مشاعر القلق حيال دور التكنولوجيا في السياسة الآن ولاحقًا.

وخلال الانتخابات العامة الأخيرة في بريطانيا في الثامن من يونيو/حزيران اسُتخدمت الحسابات الآلية أو روبوتات الإعلام الاجتماعي في إبراز دعم تيار أو آخر، ونشرت واحدة من كل ثماني تغريدات في “تويتر” تناولت السياسة البريطانية، بحسب دراسة من “جامعة أوكسفورد”، وهيمنت التغريدات الداعمة لحزب العمال بعدد 21661 مُقابل 13409 تغريدة ساندت حزب المحافظين.

ويتشابه الحال مع الانتخابات الرئاسية الأمريكية في عام 2016، ونشرت الحسابات الآلية ما يقرب من ثلث التغريدات التي دعمت دونالد ترمب، وخمس التغريدات المؤيدة لهيلاري كلينتون خلال الفترة الفاصلة بين المناظرتين الأولى والثانية بينهما. (اقرأ أيضًا: “روبوتات” الإعلام الاجتماعي تُشكل الأجندات السياسية)

البوتات أو الحسابات الآلية

تُعطي تغريدات البوتات أو الحسابات الآلية انطباعًا بتمتع مرشح أو تيار بدعمٍ قوي في محاولة للتأثير على توجهات الناخبين

ولا تكتفي الحملات السياسية بنشر الإعلانات في مواقع الإعلام الاجتماعي، بل تستعين بشركات متخصصة في تحليل البيانات وتعلم الآلة لتحليل أنماط شخصيات الجمهور وتوجيه رسائلها بفعالية أكبر. وهو ما حدث بالفعل خلال استفتاء انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي والانتخابات الرئاسية الأمريكية.

ودفعت منظمة Vote Leave التي قادت الدعوة لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي 2.7 مليون جنيه إسترليني، أي ما يُعادل 3.4 مليون دولار، لشركة AggregateIQ الكندية؛ لتوجيه إعلانات دقيقة لمستخدمي “فيسبوك”. ويُشكل المبلغ أكثر من ثلث ميزانية المنظمة، وأقر مديرها دومنيك كومينجز بدور الشركة المحوري في نجاح الحملة.

لكن في المُقابل يُقدم الذكاء الاصطناعي فرصًا لتعزيز الديمقراطية بطرقٍ متنوعة لم تُستكشَف تمامًا حتى الآن، منها تمكين قطاعات هائلة من المهمشين بفضل أدوات الترجمة الآلية. وفي الهند مثلًا يستقبل الخطاب الإذاعي الشهري لرئيس الوزراء ناريندرا مودي اقتراحات المواطنين بسبع وعشرين لغة ولهجة، ما يضع عبئًا كبيرًا على الفريق المسؤول عن المراجعة، ويضطرون إلى استبعاد بعض الاقتراحات بسبب عجزهم عن فهمها. وبمقدور أنظمة الترجمة الآلية، التي تعتمد على معالجة اللغات الطبيعية، ترجمة رسائلهم بسرعة وسهولة، ما سيسمح بدمج كثيرين في النقاشات السياسية.

وتُمثل برمجيات التعرف على الكلام ومعها الهواتف المحمولة واسعة الانتشار سبيلًا مُحتملًا لإتاحة المشاركة السياسية أمام ملايين الأميين يُشكلون نحو 13% من الرجال و23% من النساء حول العالم.

وكما هو الحال مع الكثير من الجوانب سريعة التطور في عالمنا المعاصر يستطيع الذكاء الاصطناعي تعطيل مسار الديمقراطية أو دعمها، وسيتوقف ذلك على دور المجتمع والمؤسسات الفاعلة، ومدى انتباههم للأساليب الخفية المُتبعة لتهديد الديمقراطية، ونجاحهم في تقليل المخاطر إلى الحد الأدنى واستثمار الفرص الجديدة. (اقرأ أيضًا: هل تُسهِم التكنولوجيا في تحسين نظم الحكم في أفريقيا؟)

المصدر

الصور: 1 2