الصين تسعى لاستبدال ملايين العمال بالروبوتات

تتبوأ الصين مرتبة الصدارة كأكبر الدول المُصنعة للكثير من المنتجات في العالم من الملابس إلى الأجهزة الإلكترونية، ما يجعل وصفها بمصنع العالم أمرًا لا يُنافي الواقع كثيرًا. لكن هذه النهضة الصناعية التي اعتمد جانبٌ كبير منها على العمالة مُنخفضة التكلفة والمهارات في سبيلها لتغييرٍ كبير بسعي الصين للاستعانة بالروبوتات لإنجاز مهام ملايين من العمال البشر.

وتُمثل هذه الخطة الحكومية عاملًا حاسمًا في جهدٍ أكبر لإصلاح الاقتصاد الصيني وتلبية الأهداف الطموحة للإنتاج كما جاءت في أحدث خطة اقتصادية للبلاد استهدفت مضاعفة نصيب الفرد من الدخل بحلول عام 2020 مُقارنةً مع العام المُقبل، وبمُعدل نمو سنوي لا يقل عن 6.5%. ومن شأن هذا التوجه أن يُؤثر على حيوية الاقتصاد العالمي ككل، وأن يفتح المجال للتساؤل حول التصورات العامة عن الاقتصاد الصيني وأهمية نمو الوظائف.

وتجلت أهمية الروبوتات للطموحات الاقتصادية الصينية خلال “المؤتمر الدولي للروبوت” الذي استضافته العاصمة الصينية بكين في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. وخلاله ألقى نائب الرئيس الصيني، لي يوان تشاو، خطابًا من رئيس البلاد، شي جين بينج، ولفت فيه إلى أهمية الروبوتات كأولوية رئيسية في المستقبل الاقتصادي للصين.

وخلال المُؤتمر عُرضت الكثر من الروبوتات منها ما يُركز على أغراض ترفيهية أو خدمية مثل المكانس الآلية، إلى جانب روبوتات المصانع التتي تُؤشر على الغاية الرئيسية من الاهتمام بالروبوتات في الصين. وعلى الرغم من تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني، تتواصل زيادة الأجور في ظل تطور الاقتصاد. وتطمح الحكومة الصينية إلى تنويع القوة العاملة، وتحويل التصنيع إلى قطاع أكثر تقدمًا من ناحية التكنولوجيا.

وربما تُقدم الروبوتات بعض الحلول الذكية لهذه التحديات؛ ففي حال صار من الممكن الاستعانة بأعدادٍ أكبر من الروبوتات في المصانع سيزيد مستوى الكفاءة، كما سيسمح هذا باستبدال بعض العاملين.

وفي الوقت نفسه، يتطلب تطوير الروبوتات تحسن تقنيات أجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي، الأمر الذي سيُعزز الخبرة الفنية لبقية العاملين في التصنيع، وكذلك للعاملين في مجالات تصميم الروبوتات وتطويرها وخدماتها.

وبالنظر إلى حجم الصين قد يكون لهذه الثورة تأثيراتها الواسعة؛ فقبل عامين صارت الصين أكبر مستوردي الروبوتات في العالم. ويتوقع “الاتحاد الدولي للروبوتات” أن تستحوذ الصين على أكثر من ثلث روبوتات التصنيع في العالم بحلول عام 2018. ومع ذلك، لا يزال عدد الروبوتات فيها مُقابل كل عامل أقل كثيرًا من الدول المُتقدمة صناعيًا، ما يُؤشر على الإمكانات الهائلة في نمو هذا القطاع.

وتُعد الاستعانة بالروبوتات جزءًا من جهدٍ أكبر لتطوير الصناعة في الصين بحسب برنامج أعُلن عنه في شهر مايو/أيار الماضي ويحمل اسم “صُنع في الصين 2025″، ويهدف إلى جعل البلاد قوة تصنيع عالمية مُبتكرة وخضراء في عام 2025.

وتتضمن هذه المجهودات إضافة سمات الاتصالات والذكاء إلى مُعدات التصنيع والمصانع لتعزيز المرونة والكفاءة. وتُحاكي هذه الخطة تجربة ألمانية سابقة في عام 2011 باسم “صناعة 4.0” Industry 4.0، وجهود مُماثلة لتعزيز التصنيع الأكثر تقدمًا في الولايات المتحدة الأمريكية.

ولا يقتصر دور الروبوتات في هذه الإصلاحات على استخدام المزيد منها داخل المصانع؛ فمن ناحية يصعب التخلي عن دور البشر في بعض المهام التي يُؤدونها مع الحفاظ على التكلفة المُنخفضة، ومن ناحيةٍ أخرى تتطلب الاستعانة بالروبوتات لإنجاز مهام التعديلات الدقيقة والتفتيش البصري توفير برمجيات وعتاد مُتقدم.

واتفق تيانران وانج، عضو “الأكاديمية الصينية للهندسة”، مع هذا الرأي. وبينما يعتقد أن قطاع التصنيع في الصين يتأخر عن مثيله في الدول الأخرى ويحتاج إلى تعديل تكنولوجي رئيسي، يرى أن جزءًا من التحدي يكمن في تحديد أي المهام التي سيجري إسنادها إلى الآلات بكفاءةٍ أكبر، وكيف سيصير بمقدور الآلات والبشر مُشاركة عبء العمل سويًا. وقال وانج أنه من غير المُمكن التحويل الآلي لجميع الصناعات المُعتمدة على الأيدي العاملة الكثيفة، ما يعني الحاجة إلى تحول هجين يجمع بين البشر والآلات.

وقريبًا ربما لا تصير الصين سوقًا مهمة لتكنولوجيا الروبوتات الأكثر تقدمًا فقط، لكنها ستتحول أيضًا إلى مُنتج لأنظمة الروبوتات الأكثر تطورًا. وهو ما ظهر خلال المؤتمر الأخير في حضور شركات عالمية مُتخصصة في إنتاج الروبوتات مثل “كوكا” Kuka الألمانية و”أيه بي بي” ABB السويسرية، إلى جانب عشرات الشركات الصينية التي تأسس بعضها قبل سنوات قليلة.

وكان من بين الشركات الصينية “سياصن” Siasun في شنغهاي التي تُنتج روبوتات للمصانع، وأخرى مُخصصة لمجالات مُحددة مثل روبوت يُمكنه الصعود والهبوط لطلاء جوانب السفن. وقال رئيس الشركة، داوكوي كو، أن الأولوية أمام مُنتجي الروبوتات ستكون تطوير أنظمة أكثر مرونة مُزودة بأدوات استشعار مُتقدمة، والتوصل إلى طرق أفضل لعمل الروبوتات بكفاءة وأمان جنبًا إلى جنب مع العمال البشر.

وقال كو أن “سياصن” تتلقى بالفعل الكثير من الطلبات لذراع روبوتية محمولة تعمل على تطويرها، كما تُطور ذراعًا أخرى يُمكن التحكم فيها من خلال الإيماءات ما سيُيسر على العاملين التفاعل معها.

وتبدو الصين في مساعيها لتطوير دور الروبوتات في قطاع التصنيع مُنفتحة على الخارج. وقال نائب الرئيس، لي يوان تشاو، أن الصين تُرحب بالباحثين ورواد الأعمال والشركات المتخصصة في الروبوتات من مختلف أنحاء العالم للتعاون معها، ودفع تكنولوجيا الروبوتات وصناعتها إلى الأمام.

المصدر

مصدر الصورة