العالم الرقمي بحاجة إلى التركيز على الغايات وليس المخرجات

كثيرًا ما يُعلَن انتهاء المشروعات عند وصول المنتجات أو إطلاق الخدمات إلى الجمهور، ولذلك تستهدف فرق العمل الوصول إلى مُخَرج مُحدد. لكن لا يعني الانتهاء من التصنيع أو النشر تحقيق القيمة المطلوبة وبلوغ الأهداف، ويتطلب قياس النجاح الاهتمام بالنتائج النهائية وليس المخرجات فقط، وتتأكد أهمية هذه الحاجة في ظل ارتباط البرمجيات والعمليات الرقمية بأغلب القطاعات.

وعلى سبيل المثال، إذا طلبت إحدى المؤسسات من شركة متخصصة في تصميم مواقع الإنترنت تطوير موقع يُساعدها في بيع المزيد من منتجاتها. ربما تنجح الشركة في الانتهاء من تصميم موقع جميل وسهل الاستخدام في الموعد المُحدد دون تخطي الميزانية المُقررة، لكن ذلك لا يعني أبدًا إنجاز الهدف الأصلي وهو بيع المؤسسة لمنتجاتها، وبالتالي لا يُعد المشروع، على الرغم من إتمامه، ناجحًا.

وتتبع معظم المؤسسات أسلوبًا إداريًا يعتمد على المخرجات وليس الغايات، وتُركز على إتمام العمل ما يُبعدها أحيانًا عن النجاح المرجو. وفي بعض الأحيان تقترب الفكرتان من بعضهما لدرجة تُخفي الفروق بينهما، وهو ما يحدث كثيرًا في الإنتاج الصناعي بسبب طبيعة تصميم المنتجات وهندستها وتحليل تاريخ المبيعات وظروف السوق.

لكن لا يكون الارتباط بين إتمام العمل وتحقق التأثير المطلوب بمثل هذا الوضوح في حالة البرمجيات، وفي أغلب الأحيان لا يُمكن التأكد مما إذا كان التطبيق أو النظام سيعمل على النحو المطلوب قبل تطويره واختباره فعليًا، فلا يُمكن ضمان ما إذا كان الموقع الجديد سيشجع المشاركة أو سيُحدِث تداعيات غير مقصودة قبل إطلاقه. ويعني هذا الشك بالإضافة إلى طبيعة البرمجيات أن الاعتماد على المخرجات ليست الاستراتيجية الأكثر فعالية في العالم الرقمي.

وتُحاول بعض الإدارات التغلب على حالة عدم اليقين بوضع خطط مُفصلة وتقديم تعليمات محددة إلى فرق العمل، ونادرًا ما ينجح هذا الأسلوب مع العمليات الرقمية. وفي الواقع أدرك القادة العسكريون قبل مئات وربما آلاف السنوات المشكلات الناجمة عن عجزهم عن تحديد مسار الأمور وتبعات الخطط الصارمة بالغة التفصيل، وطوروا نظامًا للقيادة العسكرية يُسمى mission command أو أمر المهمة. ووضع قادة الجيش البروسي خلال القرن التاسع عشر نظامًا للتعامل مع تقلبات الحروب، يجمع بين مركزية التخطيط والتنفيذ اللامركزي، ويُعزز حرية اتخاذ القرارات السريعة والمبادرة ضمن حدود مُقررة.

خطط عسكرية

اعتمدت الجيوش منذ قرون على التخطيط المركزي ووضع خطط استراتيجية وتحديد الأهداف والسماح للقادة الميدانيين بحرية اتخاذ القرارات التفصيلية بحسب الحاجة وضمن قيود مُحددة سلفًا

ويُعد تحديد أهداف أو واجبات للمهام بديلًا لأسلوب القيادة الصارمة التي تُفصِّل ما ينبغي على القوات القيام به في ساحات المعارك، كما يتسم بمرونة تسمح للقادة بتحديد الغايات وترك اتخاذ القرارات المُفصلة للمسؤولين الميدانيين الذين يتولون القتال. ويعتمد على ثلاثة مبادئ هي: عدم تجاوز الأهداف ما هو ضروري والتخطيط في ضوء الظروف المُتوقَعة، والتواصل مع كل وحدة بالقدر الضروري لإنجاز الأهداف، وضمان حرية اتخاذ القرار ضمن الحدود المُقررة.

ويعني تطبيق هذا الأسلوب في إدارة المشروعات الرقمية تحديد الأهداف التي يتعين على فرق العمل تحقيقها، وإعطاءهم سلطة تقديرية لتحديد الوسائل المُثلى لبلوغ الأهداف، وتقبل تعديل الخطط متى دعت الحاجة. وتُقدم تجربة لمؤسسة “تابروت” الأمريكية غير الهادفة للربح مثالًا عمليًا على هذا الأسلوب.

واستهدفت “تابروت” Taproot Foundation في عام 2014 إنشاء خدمة رقمية تربط المؤسسات غير الربحية بالمهنيين الراغبين في التطوع بتقديم خدماتهم. وبعد اختيار الشركة التي ستتولى تطوير النظام، قدمت “تابروت” قائمة طويلة بالميزات المطلوبة مثل إتاحة تسجيل المتطوعين وعرض مهاراتهم، وتمكين المؤسسات الخيرية من البحث عن المتطوعين بناءً على مهاراتهم.

وفي حين تبدو هذه الميزات منطقية وعلى صلة بالخدمة، رغبت الشركة المُطورة في إبعاد النقاش قليلًا عن المواصفات المطلوبة بالتساؤل عما ستُحققه هذه الخدمة حال نجاحها. وكانت الإجابة تطويرها وتشغيلها في غضون أربعة أشهر قبل ملتقى مهم للمانحين، وتفصيلًا انضمام عدد مُحدد من المتطوعين والمؤسسات غير الهادفة للربح والتنسيق بين الطرفين وإنجاز عدد مُحدد من المشروعات الناجحة.

وهكذا وضعت الشركة المُطوِرة مقياس النجاح، وكان السؤال التالي الأصعب هو مدى تقبل “تابروت” تحقيق هذا الهدف دون تنفيذ الميزات التي وضعتها للنظام. وعند هذه المرحلة عادةً ما يُواجه الطرفان مشكلة؛ فترغب المؤسسات في استخدام لغة قانونية دقيقة تضمن حصولها على ما تريد، ما يدفعها إلى إدراج لائحة تفصيلية بالخصائص المطلوبة. لكنه في نهاية الأمر ضمان زائف قد يكفل تنفيذ المشروع بالشكل المطلوب دون أن يجعل النجاح مؤكدًا.

ويتردد الموردون أو الشركاء في التركيز على الأهداف؛ بسبب صعوبة تحكمهم في جميع المتغيرات التي تُسهِم في نجاح المشروعات أو فشلها، وهكذا يُؤثِر الطرفان السلامة ويُحددون المواصفات التفصيلية، لكنها تتحول إلى قيود تًؤدي إلى الفشل بدلًا من توفير الحرية التي تُوِّلد النجاح.

واستقرت “مؤسسة تابروت” على حلٍ وسط؛ وتضمن العقد بعض السمات التي طلبتها إلى جانب الأهداف النهائية التي تسعى إليها ومنها خدمة تربط معدل حددته من المؤسسات غير الهادفة للربح بالمتطوعين، وتسمح للطرفين بالتواصل معًا، وإتمام عدد من المشروعات المشتركة الناحة بحلول تاريخ مُحدد، بالإضافة إلى شروط قانونية. وكانت هذه الصيغة العامل الرئيسي لإدارة تعتمد على النتائج النهائية وليس المخرجات.

وانطلق عمل الشركة المُكلَفة بتطوير الخدمة الرقمية من الهدف النهائي، وبدلًا من الانتظار أربعة أشهر قبل إطلاقها، أصدرت بعد شهر نسخة مبسطة جدًا وخالية من الكثير من الوظائف الآلية الضرورية للتوسع. وحقق الإصدار المُبكر فائدتين؛ الأولى: ضمان وجود خدمة تعرض المؤسسة أمام المانحين وهو أمر ضروري للتسويق. وأمام الفائدة الثانية والأكثر أهمية فكانت إطلاع فريق العمل على الميزات التي تحتاجها الخدمة في الواقع والتواصل مع السوق المستهدفة.

وعلى سبيل المثال، تصور مخططو المشروع حاجة المتطوعين إلى إنشاء ملفات تعرض مهاراتهم وأعمالهم لتبحث فيها المؤسسات وتتواصل معهم، وتبين أنه من الضروري تحفيز المتطوعين على المشاركة في مشروعات تحظى باهتمامهم، وبالتالي ظهرت الحاجة إلى آلية عكسية تمامًا، أي عرض قوائم بالمشروعات وليس المتطوعين.

وفي الشهر الثاني قدم الفريق الخدمة وفق الآلية الجديدة، وركزوا على تحديد الخطوات اللازمة وتطوير البرمجيات اللازمة لدعمها، وتسهيل إدراج المشروعات ونظام التواصل بين المؤسات والمتطوعين. وبنهاية الشهور الأربعة نجح الفريق في تطوير نظام عمل بالفعل لثلاثة أشهر وحقق أكثر من الأهداف التي تضمنها العقد.

ويرجع نجاح المشروع إلى اتباع مبدأ التكليف بالمهمة والتركيز على تحقيق الأهداف وليس التوصل إلى مخرجات. ومن المهم أن تضع المؤسسات استراتيجية وتُحدد الأهداف والحدود ثم تدع للمسؤولين وفرق العمل الأقرب إلى الواقع حرية استعمال خبرتهم المباشرة واتخاذ القرارات.

ويشيع هذا الأسلوب في الشركات الناشئة والمؤسسات الصغيرة، ويُمثل تطبيقه على نطاقٍ أوسع وفي فرق عمل متعددة ومؤسسات أكبر تحديًا صعبًا، ويستلزم التوازن الدقيق بين التخطيط المركزي والسلطة غير المركزية، لكنه يتحول سريعًا إلى ضرورة في عالم رقمي تقوده البرمجيات.

المصدر

الصور: 1 2