المدن الذكية: رؤية من مدينة جدانسك البولندية

تقوم المدينة الذكية على فكرة توظيف التكنولوجيا لحل أزمات المدن، ودور الحلول المُبتكرة التي تُقدمها تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في التخفيف من حدة مشكلات مثل الاختناقات المرورية وخلل نظام المواصلات العامة وتلوث الهواء.

ويُفترض أن يقود تطوير المدن الذكية إلى إدارة أكثر كفاءة واستدامة للمدن تُعزز مشاركة المجتمع، لكن تحقيق ذلك على أرض الواقع يظل محل تساؤل. وناقش عمدة مدينة جدانسك البولندية، باول أدمويتش، رؤية مدينته للمدن الذكية في مقال بعنوان “المدينة الذكية: نهج جديد”، ولفت فيه إلى ضرورة ألا تستسلم إدارات المدن لبريق نظم تكنولوجيا المعلومات قبل أن تدرس جيدًا احتياجات سكانها، ومدى استفادتها من الحلول الحديثة.

وكغيرها من مدن العالم، خاضت المدن البولندية فترةً من الانبهار الخالص بالتكنولوجيا. وفي بعض الأحيان كان لدى الحكومات المحلية اعتقادًا راسخًا أن مجرد شراءها نظم تكنولوجيا المعلومات باهظة التكلفة من شأنه حل حميع مُشكلاتها.

وفي واقع الأمر، لم ينجح هذا النهج ولاسيما في المدن التي استثمرت الكثير في تكنولوجيا المعلومات دون بحث عميق في الاحتياجات الفعلية لسكانها. وفي الوقت الراهن تتحمل بعض هذه المدن عبء إدارة أنظمة تُكلف صيانتها وتشغيلها مبالغ طائلة، وبدلًا من مُساهمتها في تجاوز العقبات أو تحسين نوعية الحياة تتسبب بحد ذاتها في مشكلات.

وكتب أدمويتش أن حديثه مع رؤساء البلديات يكشف تطورًا واضحًا في طريقة رؤيتهم للمدن الذكية. وعلى الرغم من احتفاظ الحلول القائمة على تكنولوجيا المعلومات بأهميتها، فلم تعد النقطة المحورية. واتجه التركيز الأساسي إلى دراسة توقعات السكان والحاجة إلى التعاون الوثيق مع المجتمعات المحلية.

ويعني ذلك أنه لا ينبغي أن يُضطر سكان المدينة للتكيف مع مُتطلبات نظم تكنولوجيا المعلومات، بل يتعين على التكنولوجيا نفسها مُلائمة السياق الاجتماعي الأوسع كالحاجة إلى تطوير اقتصادي مُستدام للمناطق الحضرية، أو تطوير العلوم والفنون، أو توفير حماية أكثر فعالية للبيئة.

وفي ذلك من المُهم الانتباه إلى معايير قياس أداء المدن الذكية مثل مقياس “المنظمة الدولية للمعايير” الذي يحمل اسم ISO 37151. وإطار عمل “سيتي بروتوكول” City Protocol المفتوح الذي يهتم بالحلول التي تعود بالنفع على المواطنين وتُحسن جودة الحياة، وتُطوره منظمة تحمل الاسم ذاته بهدف تقييم أداء المدن وتحسينه فيما يتعلق بمعايير منها التنافسية والاستدامة والخدمات.

وتحدث أدمويتش عن تجربة مدينة جدانسك، التي يسكنها نحو نصف مليون نسمة وتُعد الميناء الأهم في بولندا على ساحل بحر البلطيق. وقال أنها لا تزال في مرحلة اختيار أسلوبها في التعامل مع فكرة المدينة الذكية من خلال طرح أسئلة مثل: أي المشروعات الحضرية تُعتبر “ذكية”؟ وكيف ترصد استخدام مصطلح “المدينة الذكية” كنوعٍ من الدعاية لتغطية القصور في مشروعات مُقترحة تعتمد على الأموال العامة؟ وأضاف أن هذه النقاشات ضرورية لتطوير برامج تشغيلية تترافق مع خطة المدينة لعام 2030.

وأوضح الكاتب أن نهج جدانسك فيما يخص المدن الذكية تُميزه سمات قليلة أهمها الحذر البالغ في إنفاق المال العامة، وما يصفه برفض الدعايات التي تُطلقها أقسام العلاقات العامة في شركات تكنولوجيا المعلومات، وتفضيل تطوير الأفكار على نطاقٍ ضيق بما يسمح بالتحقق منها تدريجيًا وزيادة الإنفاق بعد نيلها الموافقة المجتمعية، بدلًا من البدء بالتطورات الكبيرة وباهظة التكلفة.

وقدم أدمويتش مثالًا للنهج مُنخفض التكلفة في تطبيقات المدن الذكية بإطلاق مدينة جدانسك تطبيق للويب باسم “باند” BAND، وهو اختصار بولندي لكلمة “بنك الأشجار”، ويرمي إلى تحديد أفضل المساحات لغرس أشجار جديدة.

وقال أنه على مدار ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا اجتذبت المدينة مستثمرين محليين وأجانب، لكن رافق تشييد بنايات المكاتب والمصانع الجديدة قطع أشجار. وتُدرك جدانسك أهمية زرع أشجار جديدة، لكن مع مراعاة اختيار أفضل المواقع التي تحتاج أكثر من غيرها إلى المساحات الخضراء.

ويستفيد تطبيق “باند” من آراء السكان المحليين، ومن خلال “خرائط جوجل” يُساعد المواطنين في تحديد أماكن في المدينة بحاجة إلى أشجار جديدة. وأتاح ذلك لمجلس مدينة جدانسك المعرفة اللازمة بسهولة وسرعة، ودون ذلك سيصعب جمع هذه الآراء، كما سيُكلف هذا الكثير من المال. وتعتزم المدينة اتباع الأسلوب نفسه لتحديد المواقع المُناسبة لتوزيع مقاعد الانتظار الجديدة.

ويُقر أدمويتش بصعوبة بناء مدينة ذكية دون مال؛ بل أحيانًا ما يكون ضخ استثمارات كبيرة في البداية أمرًا لا مفر منه كما في حالة أنظمة تكنولوجيا المعلومات مثل نظام النقل الذكي. وأنشئت جدانسك ومدن بولندية مجاورة هذا النظام بتكلفة تُقارب أربعين مليون يورو تحت اسم “تريستار” Tristar، بعد تطوير دام سبعة أعوام، وبدأ عمل النظام فعليًا منتصف الشهر الماضي.

مصدر الصورة