المدن الذكية لا تُبنى بالتكنولوجيا وتطبيقات الهواتف وحدها

تندفع الكثير من مدن العالم لإنجاز خطط مختلفة تشترك جميعها في عنوان “المدن الذكية”. وغالبًا ما تتضمن تفاصيلها تعاقدات بمليارات الدولارات مع شركات عملاقة مثل “آي بي إم” و”سيمنز” و”سيسكو” و”جنرال إلكتريك”. ولا تُولي الشركات، بطبيعة تكوينها وأهدافها الربحية، اهتمامًا كبيرًا بالمساواة والمشاركة العامة والعدالة الاجتماعية.

وتُسارع هذه المدن إلى إضافة أجهزة الاستشعار إلى صناديق القمامة وإشارات المرور ومصابيح الشوارع وكاميرات المراقبة، وتهتم بجمع البيانات وتحليلها، وتُقبِل على تجهيز المنازل بعدادات ذكية تنقل بيانات الاستهلاك في الوقت الحقيقي إلى شركات المرافق والمستهلكين.

كما تُطور المدن تطبيقات للهواتف الذكية تخدم أغراضًا متنوعة تتراوح بين الاستعداد لحالات الطوارئ وإتمام الإجراءات الحكومية إلى الإبلاغ عن وقائع الفساد. وتُطلق أنظمةً مرنة للنقل تجمع بين الحافلات وبرامج مشاركة السيارات والدراجات، فضلًا عن سعيها لاستكشاف إمكانات السيارات ذاتية القيادة والروبوتات وإنترنت الأشياء، وتغلغل تحليلات البيانات في الكثير من مناحي الإدارة الحكومية.

ودون إنكار منافع تلك البرامج والتقنيات، لكن هذا ليس النموذج الوحيد أو الأفضل للمدن الذكية؛ إذ أنه يغفل مُعالجة المشكلات العميقة في المجتمع، ويكتفي بتقديم مُسكنات مُؤقتة، وأحيانًا ما يَعتبر التكنولوجيا ولافتة “المدن الذكية” بحد ذاتها حلًا، كما قد يتجاهل حلول أنجع وأقل اعتمادًا على التكنولوجيا. وعلاوةً على ذلك قد يقود الانسياق فيه دون تروي إلى تغول سيطرة الشركات وترسيخ غياب المساواة بدلًا من أن تكون المدن الذكية سبيلًا لتحقيق الرفاهية العامة.

وتناول مقال في جريدة “بوسطن جلوب” الأمريكية أهمية تركيز خطط المدن الذكية على المعالجة العميقة للأزمات مع ضمان مشاركة المجتمع والاستفادة من التكنولوجيا لتحقيق الصالح العام. وحمل عنوان: “التطبيقات لا تبني مدينة ذكية”، وكتبه جوليان أجييمان، أستاذ السياسة الحضرية والبيئية والتخطيط في “جامعة تافتس” في ولاية ماساتشوستس الأمريكية، والباحث المُستقل دنكان ماكلارين. واشترك كلاهما في تأليف كتاب “مشاركة المدن: حالة مدن ذكية ومُستدامة حقًا”.

وقال الكاتبان أن الاندفاع التقني الحالي للمدن يضرب بالمجال العام عرض الحائط، ويدفع للاعتقاد أن هناك دائمًا تطبيقًا ذكيًا يُمكنه تقديم الحل، وأن بمقدور الابتكار التكنولوجي الذي تقوده الشركات مُعالجة مشكلات عميقة الجذور في البنية الحضرية، والتحايل بطريقةٍ ما  على تعقيدات السياسات الشاملة.

وضرب المقال مثالًا بمشكلات المرور المُزمنة في مدينة بوسطن في ولاية ماساتشوستس. وخلال أزمة المرور التي وقعت يوم المباراة النهائية في دوري كرة القدم الأمريكية في عام 2015، والمعروفة باسم “سوبر بول”، اضُطرت المدينة للتعاون مع تطبيق “ويز” Waze الذي تمتلكه “جوجل”، ويُقدم حالة المرور في الوقت الحقيقي بناءً على مشاركات المستخدمين، ويصل عدد مستخدميه في المدينة إلى ما يقرب من نصف مليون شخص.

وبدأت بوسطن تعاونها الرسمي مع تطبيق “ويز” بتزويده بتفاصيل مسار احتفال فريق “نيو إنجلاند باتريوتس” الذي يتخذ من المدينة مركزُ له. وفي الوقت الحاضر تُوجِّه المدينة معلومات عن حالة المرور مُباشرةً إلى “ويز”، وكذلك إلى مركز إدارة المرور المحلي حيث يجري التحكم آليًا بالإشارات الضوئية في مئات من تقاطعات الطرق تبعًا لتغير ظروف المرور.

وربما لا تفتقر فكرة التعاون بين بوسطن و”ويز” إلى الوجاهة، وقد تدفع المواطنين لتقبل الشراكة بين القطاعين العام والخاص على أساسٍ من تكنولوجيا المعلومات. لكن، وكما هو الحال مع صنع السياسات واتخاذ القرارات تحت ضغط الأزمات، يُمثل هذا الخيار مجرد حل مُؤقت للمشكلة أو بمثابة بعض الإسعافات الأولية التي لا تُغني بأية حال عن الفحص الدقيق وتلقي العلاج المُلائم. وتظل المشكلة بحاجة إلى تفكير سياسي جديد وشجاع واستثمار ضروري جدًا في البنية التحتية.

وعوضًا عن الاستعانة بأحدث التطبيقات للمساعدة في الحفاظ على تدفق الحركة في نظام المرور المُثقل بالأعباء في بوسطن، تحتاج المدينة، وربما أكثر من سواها من المدن الأمريكية، إلى حِزم مُتكاملة أوسع نطاقًا وتستند على موارد جيدة وتشمل تدابير للتقليل الفعلي من أعداد السيارات في شوارع المدينة. ويُهدد الإخفاق في تحقيق ذلك بتقويض جودة الحياة والطابع الإقليمي لبوسطن.

ولا يعني ذلك الاستهانة بدور التكنولوجيا الذكية في مُساعدة المدن في إنشاء نظام مُتكامل للمواصلات العامة يسمح بتنقلات سلسة بين القطارات والحافلات وبرامج مشاركة السيارات والدراجات. كما تُوفر لمن يتلقون دعمًا اجتماعيًا خيارات ذكية للمدفوعات، بالإضافة إلى إسهامها البارز في إدارة أكثر كفاءة للمساحات المُخصصة لانتظار السيارات وخطط تقاسم الدراجات.

وفي هذا الصدد، لفت أجييمان وماكلارين إلى الدروس التي تُقدمها تجربة العاصمة الدانماركية كوبنهاجن وكذلك العاصمة الهولندية أمستردام. وأعادت كلٌ منهما ضبط طبيعة حركة المرور في الشوارع للسماح بتنقل حر ودون قيود للدراجات على امتداد الشوارع وعبر التقاطعات.

ويجدر بمدينة بوسطن الاستفادة أيضًا من تجارب مدن مثل ستوكهولم وسنغافورة ولندن في ما يُسمى بتسعير الازدحام. وتُواجه المدن الكثافة المرورية بفرض رسوم مالية مُباشرة لتخفيف الإقبال على استخدام المركبات الخاصة في مناطق وسط المدينة ولاسيما في أوقات الذروة.

ومنذ إطلاق تسعير الازدحام في العاصمة البريطانية لندن في عام 2003، شهدت المدينة انخفاضًا بنسبة 10% في كثافة المرور، وتراجع هائل بنسبة 40% في عدد حوادث السيارات، وانخفاض بنسبةٍ مُماثلة تقريبًا في أعداد القتلي والمصابين إصابات بالغة خلال الحوادث، وتدني انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بنسبة 13%، فضلًا عن جنيها عائدات تقترب من أربعمائة مليون دولار خلال العام الماضي خُصصت لتحسين وسائل المواصلات.

وفي بوسطن قد تُثمر حلول مُماثلة توفير مساحات خالية في الطرق، وجعل الشوارع أكثر أمنًا، وتحقيق إيرادات تُستثمر في حماية المسارات المُخصصة للدراجات، ووضع تدابير تكفل أولوية المرور للحافلات، وتحسين الأرصفة، وربما يُضاف إليها أمر أكثر أهمية وهو إنشاء شبكة النقل السريعة بالحافلات. وبحسب تعبير المقال:

“لكن ذلك لن يتحقق من خلال شراكات “المدينة الذكية”، وإنما من خلال الإرادة السياسية؛ فليس هناك ثمة تطبيق يُعوض اندماج الجمهور والقادة المُتجاوبة”.

وتُقدم تجربة لندن تحذيرًا آخر بشأن العواقب غير المقصودة التي قد تنتج عن اعتناق مفهوم المدينة الذكية بشكل أقرب إلى الأيدلوجية، أي باعتبارها نافعة بحد ذاتها. وتتجسد هذه المشكلة في “تِك سيتي” Tech City في ضاحية شورديتش العصرية والشهيرة بالأزياء.

واستهدف المشروع جعل “تِك سيتي” مركزًا للابتكار التكنولوجي والشركات الناشئة، لكنها تحولت إلى مُلحق لكبرى الشركات العاملة في لندن مثل “جوجل” و”سيسكو” و”ماكينزي آند كومباني” و”إنتل”. وليس بعيدًا، في منطقة توتنهام في لندن أدى تغيير الاسم والصورة التجارية للمستودعات وتحويلها إلى “مناطق فنية” إلى نزوح التجمعات ذات الإيجارات المُنخفضة لصالح مؤسسات المصرفيين والمضاربين.

وبالعودة إلى الولايات المتحدة، تُبلي إدارة مدينتيّ بوسطن وكامبريدج بلاءً حسنًا في تشجيع إنشاء مجمعات للتكنولوجيا، وتسعى إلى جذب الشركات الناشئة المُتخصصة في التكنولوجيا النظيفة والصناعات الثقافية التي تحظى بإشادة المُبدعين. لكن ذلك لا ينبغي أن يحدث في غياب استراتيجية سياسية قوية لحماية خيارات الإسكان ميسور التكلفة والخدمات الأساسية والبنية التحتية والاستثمار فيها.

وتكتسب الابتكارات اللازمة لبث الحياة في أية مدينة صفة الشمول الاجتماعي أكثر من ذي قبل، ومنها حدائق المدن والمتنزهات المُلائمة، ومقاهي يجتمع فيها السكان المحليون لإصلاح الأجهزة، ومكتبات تُتيح تقاسم الأدوات والمعدات، وبرامج تُتيح التطوع بالوقت مُقابل الحصول على الخدمات أي اعتماد الوقت كعملة فيما يُعرف باسم “مصارف الوقت” time-banks. وجميعها ثمرة لمجهودات حركات النشطاء في مناطق عانت تاريخيًا من الإهمال وتراجع الخدمات.

وفي منطقتيّ روكسبري ودورتشستر في مدينة بوسطن، أسفرت مفاوضات سياسية مضنية، كان من اللافت غياب الشركات الكبيرة عنها، عن نجاح النشطاء في اعتماد المادة 89 في ديسمبر/كانون الأول من عام 2013، وتختص بتشجيع الزراعة الحضرية التجارية في بوسطن. ومنذ ذلك الحين أسهمت مؤسسات محلية في إنشاء اقتصاد محلي للغذاء يهتم بالاستدامة والعدالة الاجتماعية.

ويعتقد البعض بجدوى نموذج واحد للمدن الذكية، أي تلك التي تقودها الشركات ويدفعها الاتجاه التنافسي وتعتمد على الإلكترونيات وسط سوق عالمية قاسية تتجاهل المبادئ الأخلاقية. وتقود هذه الفكرة الخاطئة إلى تنامي عدم المساواة وتدهور رأس المال الاجتماعي.

ولا يعيب هذا النموذج نقص المشاركة السياسية الشعبية فقط في ظل استبعاد المواطنين العاديين من آليات اتخاذ القرار، وإنما تفتقر أيضًا إلى الخيال. ويرفض الساسة التدخل في أية أسواق إلا بناءً على طلبٍ من الشركات صاحبة رؤوس الأموال.

“بالنسبة لنجاح المدن فالأمر الأكثر أهمية من مصابيح الشوارع الذكية وأنظمة المراقبة الإلكترونية هو حاجتها إلى توظيف التكنولوجيا الذكية من أجل تمكين تقاسم المهارات ومشاركة المواطنين وإدارة خدمات المشاركة، ما يعني اختصارًا تحقيق الرفاهية العامة للمواطنين”.

ومن أجل أن تتسم مدن المستقبل بالذكاء حقًا ينبغي عليها التركيز على تطوير رؤى ديمقراطية وتشاركية تُسخِّر التكنولوجيا الذكية في وضع خطة مشتركة. واختتم أجييمان وماكلارين مقالهما بالقول: “دعونا نُنشئ مشاعًا حضريًا حقيقيًا مُشتركًا ومجالًا عامًا شاملًا؛ ليس مكانًا تُعتمد فيه التقنيات الذكية سريعًا ولا تُسفر سوى عن تعزيز الأساليب المُهيمنة والغبية للمنافسة والتقييد والانقسام”.

مصدر الصورة