النزاعات ضرورة للاستفادة من التعاون

تنتظر فرق العمل والمؤسسات أن يقود التعاون إلى تعزيز الإبداع والحد من مخاطر القرارات الفردية، لكن في كثيرٍ من الأحيان لا تتحقق هذه الوعود بسبب أعراف ثقافية تعتبر أن الانسجام الدائم بين الفريق يُهيئ الظروف المثلى للعمل، في حين أن التعاون يتطلب بالضرورة قدرًا من الصراع أو الخلاف.

وكثيرًا ما يُنظر إلى التعاون كنقيض للصراع، وتنتشر تصورات عن فرق العمل المثالية كصفوف متناسقة ومنسجمة أو طائرات تُؤلف معًا تشكيلًا واحدًا، مع الإشادة بالأفراد القادرين على الاصطفاف مع فريقهم في نفس الاتجاه. وفي الواقع تضر هذه التصورات المفرطة في المثالية عن العمل الجماعي بأداء الفرق.

وليس هناك أهمية تُذكر لتعاون يخلو من الخلافات، وتحتاج المؤسسات إلى تعاون تُعزِز فيه التوترات والنزاعات قيمة الأفكار وتكشف المخاطر الكامنة وتقود إلى زيادة الثقة بين المشاركين. ويستلزم ذلك تغيير النظرة الشائعة إلى العلاقة بين التعاون والخلاف وتقبل فكرة الخلافات المُثمرة، وأنه ما من ضرورة للتعاون إذا كان أفراد الفريق يتفقون على كل شيء ويتبعون الطريقة ذاتها في التفكير، وأن تجنب الخلاف طيلة الوقت قد يُخفي عيوبًا خطيرة في الاقتراحات، كما أن الاستفادة الحقيقية من التعاون تحتاج بعض التباعد قبل التلاقي والمضي قدمًا. وفي السطور التالية ثلاثة أساليب يُمكنها تشجيع الخلافات المُثمرة:

أولًا: مناقشة الأدوار المختلفة لكل فرد في فريق العمل بما يُوضح أسباب الاختلاف. وعلى سبيل المثال، ففي حالة اجتماع يجمع العاملين في الإنتاج والتسويق والمبيعات، سيسعى المتخصصون في عمليات الإنتاج إلى زيادة مراقبة الجودة والإجراءات القياسية من أجل تعزيز الكفاءة وتوفير التكاليف، في مُقابل دفاع فريق المبيعات عن فوائد المرونة وتخصيص المنتجات للمستهلكين للتجاوب مع تباين احتياجاتهم.

وحينها سيتبين أن الخلاف لا يرجع إلى أسباب شخصية أو سعي مقصود إلى الإزعاج، وإنما ينبع من اختلاف الوظائف. وإذا كان فريق العمل يتمتع بالمزيج المُلائم من التخصصات، فسيُدافع كل عضو عن اتجاه مختلف دون الرضوخ لرأي واحد. وبمضي الوقت مع تطبيع هذا النوع من النزاعات يتوافر أمام الفريق فرص لتبادل الآراء والجدال الهادف لبلوغ أفضل الحلول.

ثانيًا: الاستفادة من تقييم الشخصيات لتفسير تباين وجهات النظر: بالإضافة إلى الاختلافات النابعة من تميز كل وظيفة عن غيرها، يُسهِم اختلاف الطبائع والأنماط الشخصية في تنوع الآراء حول إحدى القضايا. ومن الضروري أن يُمنَح أفراد الفريق الذين يُمثلون وجهات نظر الأقلية مجالًا كافيًا لعرض وجهات نظرهم علنًا، ويتطلب ذلك تشجيعهم من خلال تأكيد القيادات على القيمة الكبيرة لتباين الرؤى.

قبعات التفكير الست

تُطبق بعض فرق العمل أسلوب قبعات التفكير الست ويرمز كل لون إلى طريقة في التفكير: الأزرق للتفكير الشامل والنظر إلى مجمل الصورة، والأحمر للتفكير العاطفي، والأبيض يعني التفكير المستند إلى الحقائق والمعلومات المتاحة، والأسود للأسلوب الحذر والواقعي المحافظ، والأصفر لنمط التفكير المتفائل الذي يرصد الفوائد، والأخضر للتفكير الإبداعي المبتكر

ثالثًا: وضع قواعد أساسية تُنظم الاختلاف، وذلك من خلال تعريف أفراد الفريق للسلوكيات المقبولة التي تُسهِم في النزاعات المفيدة أي التي تُحسن القرارات وتزيد الثقة من ناحية، وللسلوكيات غير المقبولة التي تُقلل التأثيرات النافعة للنزاعات من ناحية أخرى.

وبالإضافة إلى توضيح السلوكيات المناسبة، ستستفيد فرق العمل من تحديد أدوار الأعضاء لدعم الخلافات الفعّالة. وتستعين بعض فرق العمل بأسلوب قبعات التفكير الست، وفيها يتبنى كل عضو في الفريق أسلوبًا مختلفًا في التفكير مثل التفكير المنطقي القائم على حقائق، والأسلوب الحذر والمُحافِظ، والتفكير الإبداعي سعيًا لكشف الأبعاد المختلفة للمسألة محل النقاش.

وتُكلف بعض الفرق أحد أعضاءها باستنتاج الآراء المخالفة. وتستعين أخرى بدور محامي الشيطان، وإن كانت قلة فقط تنجح في تطبيقه على النحو الصحيح؛ ويقصر البعض دور محامي الشيطان على المشاركة بأفكار غير شائعة أو مكروهة، بينما يتمثل دوره الحقيقي في التشكيك في صحة الأدلة واقتراح تفسيرات بديلة. وفي كل الأحوال من الضروري تحديد الأسلوب المستخدم والتوقعات.

ولا يكفي مجرد السماح بالمخالفة والجدال لتغيير الفكرة السائدة عن النزاع والتعاون وخلق الصراعات المثمرة وتوظيفها للتوصل إلى أفكار مبتكرة، بل ينبغي جعل الخلافات المثُمرة التزامًا يقبله الجميع لصالح العمل.

المصدر

الصور: 1 2