الهواتف المحمولة أداة في بناء المدن الذكية

يرتبط التفكير في المدن الذكية والمُتصلة بالإنترنت بصور للطرق السريعة وأعمدة الإنارة المُزودة بأجهزة الاستشعار، والخرائط المُتجددة في الوقت الحقيقي لأنظمة الحافلات وقطارات الأنفاق، ومركز تحكم يضم شاشات ضخمة تعرض البيانات على مدار الساعة. لكن بعض المدن تختار دخول عالم البنية التحتية الذكية اعتمادًا على أجهزة استشعار مُتقدمة ومُتنقلة يحملها مئات الآلاف من سكانها أينما ذهبوا؛ وهي الهواتف الذكية.

ومن هذه المدن جنت في بلجيكا. وتُعد المدينة التي يسكنها نحو ربع مليون نسمة واحدة من أوائل المدن في أوروبا الغربية اشتراكًا في برنامج “ويز للمواطنين المُتصلين” Waze Connected Citizens من تطبيق “ويز” الذي تمتلكه شركة “جوجل”، ويُشرف البرنامج على تبادل بيانات حالة المرور بين إدارات المواصلات في المدن من جانب، والتطبيق من جانبٍ آخر.

ويسمح تطبيق “ويز” لمستخدميه بالإبلاغ عن حوادث المرور والازدحام، وتُنقل هذه المعلومات لغيرهم من السائقين. ومن خلال البرنامج تصل البيانات إلى الحكومات المحلية من أجل مُساعدتها في إدارة حركة المرور في الوقت الحقيقي والاستجابة لحالات الطوارئ. وفي المُقابل تُقدم المدن الخمس والخمسون المُشاركة في البرنامج معلومات حول إغلاق الطرق والسياسات الجديدة لإدارة المرور.

واعتبرت رئيسة النمو في “ويز”، دي-آن إيسنور، أن مثل هذه الأدوات أسهمت في تخفيض تكاليف إنشاء مراكز إدارة المرور، وقالت: “إذا ما بدأت بالمعرفة اللازمة بخدمات الويب وتحليلات البيانات”، فمن المُمكن تأسيس مركز لإدارة المرور “نظير جزءٍ صغير” من تكلفته المعتادة.

ويُمثل “ويز” نموذجًا لاستفادة المدن من تنامي انتشار الهواتف الذكية. ورأى مُدير “سينسبل سيتي لاب” Senseable City Lab في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا”، كارلو راتي، أن البعض يُفكر انطلاقًا من الفكرة العامة وصولًا إلى التفاصيل الأصغر، ويتجه هؤلاء إلى نشر الكثير من أجهزة الاستشعار في المدينة. وتُعد سنغافورة نموذجًا بارزًا لهذا الاتجاه.

وفي المُقابل يُفضل آخرون أسلوبًا شاملًا يتجه من التفاصيل والوحدات الأصغر وصولًا إلى الفكرة الأكبر، ويتطلع إلى طريقة استخدام الأدوات المُتوافرة بالفعل مثل الهواتف المحمولة، بحسب ما قال راتي.

وتشهد الكثير من المدن تعاونًا بين سلطاتها وتطبيقات الأجهزة المحمولة، ومن ذلك تطبيق “سيتي مابر” Citymapper الذي بدأ في العاصمة البريطانية لندن مُستفيدًا من البيانات المفتوحة التي تنشرها المدينة حول سير قطارات السكك الحديدية والحافلات وقطارات الأنفاق. وفضلًا عن تقديم “سيتي مابر” نصائح للجمهور حول المواصلات، يُوفر للمدن أدوات لإدارة البيانات تُساعدها في التعامل مع تعليقات المستخدمين وتنبيهاتهم بوقوع حوادث.

وبالمثل يبيع تطبيق “سترافا” Strava لمُتابعة راكبي الدراجات بيانات مُجهلة إلى مدن منها لندن وفلوريدا وأورلاندو الأمريكيتين، وتُسهِم البيانات في مساعدة المدن في تخطيط مسارات الدراجات وتدابير تخفيف ازدحام المرور.

وحتى “أوبر” Uber وعلى الرغم من معاركه الكثيرة مع الحكومات، بدأ بالتعاون مع إدارات المدن، ويُشارك التطبيق بعض البيانات حول قيادة السيارات مع مدن منها بوسطن للمساعدة في خطط تخفيف حدة الازدحام. وتُوفر شركات سيارات الأجرة بيانات مُماثلة مُجهلة حول مواقع بدء رحلات السيارات ووجهاتها والأوقات.

وعمل راتي وباحثون في “جامعة كورنيل” الأمريكية على تحليل بيانات مُماثلة في مدينة نيويورك في عام 2014، وخلص التحليل إلى إمكانية التقليل من عدد سيارات الأجرة في المدينة بنسبة 40% حال اشترك عدد أكبر من السكان في برامج مُشاركة ركوب السيارات. ومنذ إجراء الدراسة يتعاون “سينسبل سيتي لاب” مع شركة “أوبر” بهدف تحسين خدمتها لتقاسم ركوب السيارات.

وقال راتي، لافتًا إلى الدور المهم للبيانات: “هناك عدد كبير من مخططات مُشاركة ركوب السيارات تعود إلى السبعينيات والثمانينيات، لكن بسبب افتقارنا حينها إلى الهواتف الذكية ومعلومات الوقت الحقيقي فقد أخفق أغلبها”.

المصدر

مصدر الصور