الهواتف المحمولة: سلاح جديد في مكافحة مرض داء الكلب

يتسبب داء الكلب سنويًا في وفاة عشرات الآلاف من الأشخاص في مختلف أنحاء العالم، ويُودي بحياة شخص كل عشر دقائق. وتشهد الدول الأفريقية جنوب الصحراء الكبرى بالإضافة إلى الهند العدد الأكبر من الوفيات، كما تتنامى خطورته في أفريقيا.

ودون تناول اللقاح المناسب يقود داء الكلب إلى وفاة المُصاب في غضون عشرة أيام من تعرضه للعض؛ إذ يتسبب في تدهور التحكم في العضلات وآلام مُبرحة ونوبات من الانفعال الشديد. وتُعاني البلدان منخفضة الدخل في أفريقيا من نفاد اللقاحات في العيادات الريفية وبطء إجراءات نقلها من العاصمة والمراكز الرئيسية، لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في نقص اللقاحات، وإنما في عدم مُواكبة سلسلة التوريد لحجم الطلب؛ إذ لا توجد سجلات إلكترونية كما تغيب أنظمة الرقابة تقريبًا.

وعادةً ما تصل إلى السلطات الحكومية معلومات بسيطة لا تُعبر عن الواقع بأكمله أو الحجم الفعلي للمشكلة، ولا يقتصر ذلك على لقاحات وعلاجات داء الكلب، وإنما يمتد أيضًا إلى مختلف المستلزمات الطبية الضرورية.

وفي مواجهة ذلك تبدو الهواتف المحمولة بانتشارها الواسع أحد الحلول المُحتملة لمشكلة نقص المعلومات وانقطاع الصلة بين مُختلف الأطراف ذات الصلة. وتجاوزت الكثير من البلدان الأفريقية جنوب الصحراء تركيب الخطوط الهاتفية الثابتة كوسيلة الاتصال الأكثر شيوعًا، وانتقلت إلى تبني الهواتف المحمولة. وفي تنزانيا مثلًا يتمتع 97% من السكان بإمكانية الوصول إلى هواتف محمولة. وبينما لا تمتلك أغلب العيادات الطبية حواسيب، يمتلك كلٌ من العاملين في قطاع الرعاية الصحية هاتفًا محمولًا خاصًا.

وقبل سنوات بدأ باحث الدكتوراه في “جامعة جلاسكو” الاسكتلندية زاك متما وفريق من الباحثين تجربة لتطوير تطبيق للهواتف المحمولة لمتابعة التعامل مع داء الكلب في بعض مناطق تنزانيا، ويُلائم التطبيق أغلب الهواتف المحمولة العادية أو الأساسية؛ إذ لا تنتشر الهواتف الذكية على نطاقٍ واسع، ويمتلكها أقل من 5% من العاملين في القطاع الصحي في تنزانيا.

ويسمح التطبيق بتسجيل معلومات حول المرضى الذين تعرضوا لعضات الحيوانات وعلاجهم في نموذجٍ بسيط، كما يُسجل الأطباء والمسؤولون البيطريون معلومات حول تفشي داء الكلب وتحصين الكلاب. وبعدها تتجه جميع هذه المعلومات إلى موقع على شبكة الإنترنت يطلع عليه موظفو الحكومة.

ويُتيح الموقع للمسؤولين التعرف على المناطق التي تعرض سكانها لعضات الكلاب، والمناطق التي نفد مخزونها من اللقاحات، وكذلك المناطق التي لم تحصل الكلاب فيها على التحصينات المُلائمة. ويسمح الموقع للعاملين في الرعاية الصحية والخدمات البيطرية بمشاركة المعلومات فيما بينهم في الوقت الحقيقي خلافًا للوضع المُعتاد من ضعف الاتصالات والتعاون بين المجموعتين.

وتجدر الإشارة إلى حاجة مرض مثل داء الكلب وكذلك بقية الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى الإنسان مثل الجمرة الخبيثة وإيبولا إلى تعاون وثيق بين مجاليّ الخدمات البيطرية والرعاية الصحية، وبالمثل تتطلب الأمراض التي تنشرها الحشرات مثل الملاريا وزيكا تضافر جهود العاملين في قطاعيّ الصحة والبيئة.

واستمرت تجربة التطبيق والنظام المُصاحب لخمسة أعوام في جنوبي تنزانيا، وشارك فيها ما يزيد عن 300 شخص من العاملين في الرعاية الصحية والرعاية البيطرية، وأضافوا أكثر من 30 ألف معلومة عن منطقة يسكنها ملايين الأشخاص. ودعمت التجربة برنامج مكافحة داء الكلب الذي تُموله “منظمة الصحة العالمية”، وفيه تستهدف حكومة تنزانيا تحصين ما لا يقل عن 70% من الكلاب سنويًا في أكثر من ألفي قرية في المنطقة منذ عام 2011، ويُمثل جزءًا من الجهود العالمية للحد من الوفيات البشرية بسبب داء الكلب بحلول عام 2030.

وحققت التجربة نتائج مُشجعة، وتراجعت بلاغات السكان عن التعرض لعضات الكلاب إلى النصف على مدار السنوات الخمس الماضية، واختفى داء الكلب تمامًا من جزيرة بيمبا التي يسكنها أكثر من أربعمائة ألف شخص. وبطبيعة الحال تسهل السيطرة على المرض في جزيرة صغيرة يسكنها عددٌ محدود، لكن عمومًا حقق البرنامج نتائج واعدة؛ وبينما كان من المعتاد استقبال عيادة الطبيب تشيبوندا في إحدى القرى النائية التنزانية مرضى تعرضوا للعض يوميًا، تراجع عدد الإصابات إلى واحدة أو اثنتين شهريًا. كما يتواصل الطبيب حاليًا مع المسؤول البيطري في القرية بعكس غياب الاتصالات بينهما سابقًا.

ومع ذلك، ربما لا تنجح تجربة الاستعانة بالهواتف المحمولة لتيسير تدفق المعلومات في علاج أزمة نقص التمويل تمامًا، لكنها دون شك ستُسهِم في تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد المُتاحة، وأسهم في نجاحها إلى اعتمادها على الهواتف كأدوات واسعة الانتشار وسهلة الاستخدام ومُتوافرة بالفعل لدى العاملين في القطاع الصحي والسكان المحليين.

ويُقدم البرنامج نموذجًا لتوظيف الهواتف المحمولة في قطاع الرعاية الصحية أو “mhealh”، وهو مجال واعد وسريع النمو. وتُشرف حكومة تنزانيا على برنامج تجريبي لاختبار التطبيق لمحاربة داء الكلب، ويأمل فريق الباحثين في نشره في مختلف أنحاء تنزانيا حيث لا يزال المرض مُتفشيًا. وعلاوةً على ذلك جرى تعديل التطبيق ليُلائم أغراضًا أخرى مثل متابعة الحوامل والمضاعفات التالية للولادة ومواجهة الملاريا.

وكلما صارت الهواتف البسيطة وغيرها من الأدوات الرخيصة وسهلة الاستخدام والشائعة جزءًا من الممارسات المعتادة للعاملين في قطاع الرعاية الصحية، كلما صاروا أكثر استعدادًا للتعامل مع المشكلات المرضية اليوم والمشكلات الطارئة والعصية كالأوبئة مستقبلًا.

المصدر

مصدر الصورة