اليابان تسعى للاستفادة من السيارات ذاتية القيادة لمساعدة المسنين على التنقل

تُواجه اليابان تحديات اجتماعية مختلفة نتيجة ارتفاع نسبة كبار السن بين سكانها، وتسعى الحكومة وشركات السيارات إلى توظيف تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة لمساعدة كبار السن على التنقل باستقلالية ومواصلة استخدام سياراتهم لفترة أطول، كما قد يُسهِم ذلك في زيادة مبيعات السيارات على المدى الطويل، بحسب ما تضمن تقرير لصحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية.

وتتقدم اليابان على غيرها من بلدان العالم في عدد المسنين، ويبلغ عمر شخص من بين كل أربعة أشخاص فيها خمسة وستين عامًا أو أكثر، في مُقابل نسبة 15% في الولايات المتحدة الأمريكية، و8% على الصعيد العالمي. وتتطلع شركات السيارات اليابانية، التي مثلت لفترة طويلة المحرك الوطني لاقتصاد البلاد، إلى معالجة مشكلة السائقين من كبار السن.

وتتضح مشكلات الشيخوخة في المناطق الريفية في اليابان أكثر من المدن الكبيرة التي يتجه إليها عادةً الشباب. ويُواجه كبار السن تراجع الخيارات المتاحة للمواصلات العامة كما هو الحال في بلدة سوزو التي تقع على الطرف الشمالي الشرقي لشبه جزيرة نوتو اليابانية.

وقلت خيارات التنقل المُتاحة أمام سكان سوزو البالغ عددهم خمسة عشر ألف نسمة، وتتجاوز أعمار نصفهم تقريبًا الخامسة والستين؛ لأسباب منها تراجع عدد مسارات الحافلات العامة. وربما يجد مسؤولو المدينة وباحثون في السيارات ذاتية القيادة حلًا للمشكلة.

وقبل عدة أشهر بدأ اختبار نموذج أولي لسيارة ذاتية القيادة من طراز “تويوتا بريوس” طورته “جامعة كانازاوا” اليابانية، وتستخدم السيارة أجهزة استشعار لاتخاذ القرارات الحاسمة بدلًا من أحد باحثي الجامعة الذي يجلس خلف عجلة القيادة.

وقال الباحث كين كويبوتشي من شركة “تويوتا موتور”: “في الريف تغيب الخيارات اليسيرة للمواصلات العامة. تُكافح الحكومات المحلية للتوصل إلى حلٍ جيد، لكن في حال نجحت التكنولوجيا فستسمح لكبار السن بمواصلة القيادة فترة أطول”. ويقود كويبوتشي فريقًا يتألف من مائة شخص للعمل على تطوير السيارات ذاتية القيادة في “تويوتا”.

وبدأت الأبحاث الرامية لتطوير السيارات ذاتية القيادة قبل عقود، وكثفت الشركات المنتجة للسيارات من جهودها في الآونة الأخيرة بفضل توافر تكنولوجيا جديدة، كما أسهم في زيادة حدة المنافسة خوض شركات غير تقليدية المجال ذاته مثل “ألفابت” و”تسلا”.

وتُشارك اليابان في سباق تطوير السيارات ذاتية القيادة. وخصصت حكومة رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي نحو ملياريّ ين أي ما يُعادل 16.3 مليون دولار سنويًا من أجل تطوير خرائط وتقنيات أخرى للقيادة ذاتية التحكم، بما يسمح لليابان حين تستضيف “دورة الألعاب الأوليمبية” في عام 2020 باستخدام السيارات ذاتية القيادة لنقل الزوار والرياضيين.

وقال الرئيس التنفيذي لتحالف “رينو” و”نيسان”، كارلوس غصن، أن الدعم الحكومي من شأنه تيسير التحديات التنظيمية، والسماح لليابان بأن تصير الأولى في مجال السيارات ذاتية القيادة.

وعلى غرار “تويوتا”، تُمثل الاستفادة من السيارات ذاتية التحكم في توفير قدرًا أكبر من الاستقلالية لكبار السن أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة لشركة “نيسان”. وقال مدير الأبحاث في “تحالف رينو ونيسان”، كازوهيرو دوي: “لدينا مُشكلة؛ نظرًا لأن اليابان مجتمع مُسن”، وأضاف: “تتمثل أحد طلبات الحكومة في زيادة أمننا بالاستعانة بالسيارات ذاتية التحكم”.

وغالبًا ما تُركز دعاية السيارات ذاتية القيادة على دورها كوسيلة لجعل الطرق أكثر أمنًا، ولتيسير ممارسة السائقين لمهام متعددة أثناء التنقل بالسيارة. ومن خلال توفير الأمن والاستقلالية، يُمكن لميزات القيادة الذاتية الإسهام في زيادة مبيعات السيارات، حال أتاحت للمستهلكين من كبار السن مواصلة القيادة لفترات أطول وبالتالي الاستمرار في شراء السيارات.

وبلغت مبيعات السيارات في اليابان ذروتها خلال تسعينيات القرن العشرين، وتناقصت عمومًا طيلة العقد الماضي، وشهدت ارتفاعًا طفيفًا خلال السنوات الأخيرة بفضل تقديم حوافز ضريبية. وتتراجع مبيعات السيارات في اليابان، التي تُعد ثالث أكبر أسواق السيارات في العالم، في ظل تراجع أعداد سكانها.

وقال هيرويوكي شين، الذي يبلغ من العمر ثمانية وشبعين عامًا ويُدير مرآبًا للسيارات في مدينة سوزو: “يصعب علينا العيش دون سياراتنا”.

وقال شين أن بعض كبار السن في الحي الذي يسكنه طلب منهم بعض أفراد عائلاتهم الأصغر سنًا التوقف عن قيادة سياراتهم أو أبعدوها عنهم. واعتبر أن طرح تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة قد يُساعد الأشخاص في مثل عمره على الاستمرار في قيادة سياراتهم.

وقال نايوكي كانيدا، المسؤول في مدينة سوزو، أن الكثير من الأشخاص يواصلون القيادة في العقد الثامن من العمر، وحتى في العقد التاسع، لكنه أضاف أن قيادة كبار السن قد تكون غير مستقرة وغير آمنة.

وفي اليابان يُعد كبار السن عرضة لارتكاب حوادث المرور وللوفاة بسببها. وفي عام 2014 مثل السائقون اليابانيون الذين يبلغون من العمر خمسة وستين عامًا أو أكثر نحو ربع حالات الوفاة الناجمة عن الحوادث المرورية، مُقارنةً مع نسبة 15% في الولايات المتحدة.  كما شكل الأشخاص البالغين خمسة وستين عامًا أو أكبر نسبة 53% من بين جميع حالات الوفاة بسبب حوادث المرور في اليابان.

وقال كانيدا أن تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة قد تُستخدم في نهاية المطاف في سيارات الأجرة أو الحافلات.

وتولت “جامعة كانازاوا” اليابانية تطوير النموذج الأولي من سيارة “تويوتا بريوس”، ولا تزال الاختبارات في مراحلها التأسيسية، وتتطلب سنوات لبلوغ مرحلة الاستخدام الفعلي.

ويتعين على الشركات المُنتجة للسيارات والباحثين مُعالجة بعض المسائل منها ارتفاع تكاليف المُعدات اللازمة للقيادة ذاتية التحكم مثل الرادار والكاميرات وجهاز تقدير المسافات بواسطة أشعة الليزر، وجميعها قد تُضيف عشرات الآلاف من الدولارات إلى تكلفة السيارات.

كما تسعى الحكومات والباحثون إلى تحسين قدرة السيارات على مواجهة الطقس السيء الذي قد يُعيق أجهزة الاستشعار، ويجعل السيارات عاجزة عن العمل بالشكل المُلائم. وتظل تكلفة السيارات ذاتية القيادة أحد الأمر المجهولة، وإن كان من المُتوقع انخفاض الأسعار مع دخولها مرحلة الإنتاج واسع النطاق. ومع ذلك، قد تكون السيارات ذاتية القيادة باهظة الثمن بالنسبة لكبار السن الذين يعتمد أغلبهم على دخول ثابتة.

وتُعد “تويوتا” الشركة الأكثر تحفظًا بشأن تحديد الموعد المُتوقع لطرح السيارات ذاتية القيادة تجاريًا، واستثمرت الشركة مُؤخرًا مليار دولار لتأسيس مختبر للذكاء الاصطناعي في وادي السيليكون. وتَعِد “نيسان” بطرح سيارة ذاتية القيادة في الأسواق في عام 2020 قبل “تويوتا” و”هوندا موتور”.

وبالإضافة إلى التحديات المُتعلقة بالتكلفة والتطوير، يُسجل البعض ملاحظات على تكنولوجيا السيارات ذاتية القيادة مثل هيرويوكي شين، مالك مرآب السيارات في سوزو. وفي العام الماضي جرب سيارة “تويوتا بريوس” ذاتية القيادة.

وبينما أبدى شين إعجابه بقدرتها على السير في الطرق المستقيمة، لاحظ عدم قدرتها على التحرك في المنعطفات وغيرها من المناورات التي غالبًا ما يُواجه السائقون كبار السن صعوبةً في تنفيذها. وقال: “بالنسبة لكبار السن يكمن الأمر الأكثر صعوبة في عكس اتجاه السيارة والحركة في المنحنيات”.

وأضاف شين أنه في حال نجحت السيارات ذاتية التحكم في تعلم تلك المهارات فيُمكن حينها الاعتماد عليها. وأشار إلى حاجتها إلى إبطاء السرعة؛ إذ يكفي كبار السن القيادة بسرعة خمسة وثلاثين كيلومتر في الساعة. ولفت زينتشي تاناكا، الذي يبلغ من العمر أربعة وثمانين عامًا ويعيش في بلدة سوزو، إلى أحد مخاوفه من السيارات ذاتية القيادة؛ إذ يُمكن للتعامل الخطأ معها أن ينتهي بالوصول إلى المكان الخطأ، الأمر الذي يُشعره بالتردد حيال الفكرة.