بعد خمسة وعشرين عامًا على كتاب “إعادة اختراع الحكومة”: ماذا حقق؟ وفيم أخفق؟

قبل خمسة وعشرين عامًا تقريبًا صدر في الولايات المتحدة الأمريكية كتاب “إعادة اختراع الحكومة: كيف تُحوِّل روح المغامرة القطاع العام” ( Reinventing Government: How the Entrepreneurial Spirit is Transforming the Public Sector ) لمؤلفيه تيد جايبلر، وهو خبير في الحكومات المحلية وعمل مسؤولًا في عدة مدن، والصحفي ديفيد أوزبورن.

حظى الكتاب بنجاحٍ وشعبية واسعين، وأحدث برأي الكثيرين تغييراً جذريًا في أساليب الإدارة الحكومية، وتناول مشكلتين شائعتين في الإدارات الحكومية؛ وهما البيروقراطية ومقاومة التغيير. واعتبر أنه يتوجب على المسؤولين في القطاع الحكومي التحلي بسمات نظرائهم في القطاع الخاص أي تقبل المنافسة والمخاطر وقياس النتائج والاهتمام بالمُساءلة.

غلاف النسخة العربية من الكتاب

غلاف النسخة العربية من الكتاب

وعرض الكتاب عشرات الأمثلة على الروح الريادية في حل المشكلات، وقدم رؤيةً جريئة وعملية لمهام الحكومة. ورأى أن عليها الاهتمام بالتوجيه أي الاستراتيجية العامة عوضًا عن الانغماس في التفاصيل الدقيقة، وتوظيفها التعاقد مع أطراف خارجية.

وبالنسبة للقطاع العام كان الكتاب بمثابة الفتح، ويصفه روبرت أونيل جيه آر، المُدير التنفيذي للجمعية الدولية لإدارة المدن/ المقاطعات، بأنه الكتاب الأكثر تأثيرًا خلال الأعوام الخمس والعشرين الفائتة. ومثّل إلهامًا لبرامج حكومية على المستوى الفيدرالي، وكان تأثيره أوضح في الحكومات المحلية.

ومن دون شك يختلف أداء الحكومات المحلية الأمريكية اليوم عما كان عليه قبل ربع قرن، وانتشر استخدام أنظمة إدارة الأداء، وتقيس الإدارات الحكومية رضا الجمهور، ويسرت تكنولوجيا المعلومات ذلك، وتُطبق بعض الحكومات أسلوب وضع الميزانية على أساس الأداء. وفي الوقت الحاضر يتحدث مسؤولون في القطاع العام عن الابتكار كما لو كانوا يُديرون شركات ناشئة للتكنولوجيا، ويُشكل كل ذلك معالم تغيير لا يُمكن إنكاره.

لكن التغييرات التي أسهت فيها حركة “إعادة اختراع الحكومة” لم تمنع تراجع مستويات الثقة في الحكومات، وينظر البعض إلى أنظمة إدارة الأداء كعقبة في سبيل الإصلاح. وثبتت صعوبة استمرار أسلوب وضع الميزانية القائم على الأداء أو تحقيق النتائج performance-based budgeting لفترات طويلة.

وتتبع بعض مساعي تطوير الحكومات حاليًا نهجًا مختلفًا ينطلق من مُبادرات الموظفين كبديلٍ عن المُحاسبة الإدارية الصارمة. ويدفع ذلك للتساؤل عن الإرث الحقيقي لحركة “إعادة اختراع الحكومة”، وما إذا كان قد أسهمت في تحقيق كفاءة الإدارة أم وضعت عقبات أمامها. وربما يكون الأقرب إلى الصواب الرد بالإيجاب على كلا السؤالين.

وبطبيعة الحال، يصعب التقييم الكامل لأفكار الكتاب بسبب تعدد تطبيقاتها؛ ووفقًا لبيانات التعداد يُوجد في الولايات المتحدة ما يزيد قليلًا عن تسعين ألف حكومة محلية، وقرأ عشرات الآلاف من الموظفين كتاب “إعادة اختراع الحكومة” والكتب التالية، وتُظهِر استطلاعات الرأي شعبية أنظمة قياس الأداء.

واعتنت دراسات قليلة بالتقييم المنهجي لآثار الأفكار الأساسية للكتاب، وركزت أغلبها على بحث نتائج إعداد الميزانية على أساس النتائج، لكن هذا المنظور المحدود نسبيًا يكشف الصعوبات التي واجهتها حركة “إعادة اختراع الحكومة”.

ولاية أيوا: نجاح في البداية ثم اصطدام بدور التشريع

تكشف تجربة ولاية أيوا عن مكامن القوة والضعف في نموذج “إعادة اختراع الحكومة”. وتعود البداية إلى عام 2011 حين عانى الاقتصاد الأمريكي عمومًا من الركود، وتراجعت إيرادات الولاية بنسبة 11%، وبات من الواضح أن عجز الميزانية لا يُمكن علاجه باقتطاعات شاملة، وتجلت الحاجة الماسة إلى تخفيضات في الإنفاق أو تغييرات جذرية في أسلوب إدارة الأزمة أو الأمرين معًا.

ولجأ حاكم أيوا حينها، توم فيلساك، إلى أفكار “إعادة اختراع الحكومة”، واستعان بخدمات شركة “بابليك استراتيجيز جروب” Public Strategies Group التي عمل لصالحها أوزبورن.

وبدأت مساعي الإصلاح بالميزانية. وعوضًا عن الإجراءات التقشفية لتخفيض النفقات، اقترحت الشركة وضع الموازنة على أساس الأداء، ويختلف هذا عن الأسلوب المُعتاد بالانطلاق من ميزانية العام الماضي وإضافة زيادات تدريجية incremental budgeting.

وطُلب من مديري الوكالات الحكومية في أيوا تصور تأسيس إداراتهم من الصفر وكتابة أهدافهم. ومنذ مطلع سبعينيات القرن العشرين طرح المعنيون بإصلاح القطاع الحكومي فكرة “الميزانية المُستحدثة” zero-based budgeting، لكن جربتها القليل من حكومات الولايات.

وبعد تخطي صعوبات البداية، حددت إدارة الإصلاحيات، كمثال، أهدافًا مثل زيادة الإنفاق على علاج تعاطي المخدرات وتنمية المهارات، وهي استثمارات لن تُؤتي أكلها إلا بعد عدة أعوام، لكن بمقدورها الإسهام في تخفيض إنفاق أيوا على السجون. وحصلت على الميزانية المطلوبة.

وشهدت بعض الوكالات الحكومية تقليصًأ لأعداد العمالة أو ما يُطلق عليه “الوصول إلى الحجم المُناسب” Rightsizing، وتمتعت أخرى بحرية أكبر في التوظيف والعمل. وبينما استهدفت أيوا توفير 15 مليون دولار خلال عامين من تطبيق تلك المُبادرات، حققت توفيرًا بقيمة 22 مليون دولار خلال عامين، وبلغت الوفورات 50 مليون دولار بنهاية العام الثالث.

وتبدو النتائج إيجابية للغاية وتُثبت نجاح أحد المبادئ الرئيسية في الكتاب، لكن بمضي الوقت تبين إغفال هذا الأسلوب لدور التشريع وإشراك الجمهور. وفي أيوا أيضًا، سعت الولاية لتقديم الدعم المالي لمؤسسات غير ربحية معنية برفاهية الأطفال استنادًا على إنجازاتها مثل سلامة الأطفال وليس عدد الأطفال الذين تخدمهم كل مؤسسة. وأثار ذلك غضب مديري المؤسسات ولجأوا إلى المشرعين للاحتجاج.

وكما قال أستاذ السياسة العامة في “جامعة ميريلاند”، دونالد كيتل، فقد تجاهل كتاب “إعادة اختراع الحكومة” المشرعين إلى حدٍ ما، ووَّلد شعور أن المشكلة الحقيقية تكمن في منع النظام السيئ المسؤولين من القيام بالصواب، وبالتالي فإن تحريرهم من ذلك النظام سيُثمر تحسينات مهمة، دون احتساب الدور المُحتمل للمشرعين في وضع هذه القيود من البدء.

مشكلة الاستدامة

مع مضي سنوات من تطبيق نهج “إعادة اختراع الحكومة” تكرر نمطٌ مُحدد؛ فخلال أوقات الأزمات ينجح المسؤولون في تنفيذ أسلوب إعداد الميزانية على أساس الأداء وغالبًا ما يُجدي نفعًا، ولاحقًا يُعارض المشرعون هذه الطريقة، وهو ما اتضح في ولاية ماين.

وفي عام 2002 نفذت الوكالات الحكومية في الولاية نظام وضع الميزانية بناءً على النتائج؛ سعيًا لنيل استقلال أكبر وزيادة المُساءلة. وهو ما لم يتحقق في ظل تمسك المشرعين بطرق التفكير التقليدية. ولذلك في عام 2008 عاد العمل بالنظام القديم. وحاليًا تُنفِذ الولاية برامج قياس الأداء على نحوٍ غير مُنظم ودون تخطيط.

ويُشير ذلك إلى مشكلة الاستدامة أي صعوبات استمرار نهج “إعادة اختراع الحكومة”. وهو ما تُوضحه تجربة ولاية أيوا. وعلى الرغم من توفير الولاية ملايين الدولارات، أوقفت إدارة الحاكم تشت كولفر، الذي تولى منصبه في 2007، تنفيذه على الفور؛ لرغبتها في تنفيذ تخفيضات واسعة.

وبينما يُسهِب الساسة والأكاديميون في الحديث عن تغيير الثقافة السائدة في العمل الحكومي، إلا أن الواقع يُظهِر صعوبة ذلك بسبب طبيعة بنية الحكومة. ويشهد القطاع العام انتخابات متوالية، ولا يُعد تغيير القيادات العليا كل أربعة أعوام سبيلًا مضمونًا للاستدامة، كما يرى ديفيد لويس عالم السياسة في “جامعة فاندربيلت”.

لكن تغير القادة والإدارات ليس التفسير الوحيد؛ فحتى من يتمتعون باستقرار وظيفي أكبر مثل مديري المدن في الولايات المتحدة عزفوا عن ربط قياس الأداء بإعداد الميزانية. وخلص استطلاع للرأي أجرته  الجمعية الدولية لإدارة المدن/المقاطعات” في عام 2011 إلى أن مُديري المدن يتحدثون كثيرًا عن أفكار “إعادة اختراع الحكومة”، دون التطبيق الفعلي.

نتائج مُتباينة ونهج بديل

وفيما يتعلق بمُجمل أفكار الكتاب، قال المؤلف ديفيد أوزبورن أن بعضها نال نصيبًا وافرًا من القبول مثل دور الحكومة في التحفيز والتوجيه دون الخوض في التفاصيل الدقيقة أو الحكومة المُحفزة، وتركيز الحكومة على إنجاز مهام بعينها، والحكومة اللامركزية، وكذلك عناية الحكومة بإرضاء العملاء. وفي المُقابل لاقت أفكارٌ أخرى حظًا أقل من الدعم مثل إدارة الحكومة كمشروع هادف للربح، والحكومة المملوكة للمجتمع أي اعتبار المواطنين شركاء للحكومة.

ويتفق مع ذلك ساندفورد بورينس، الأستاذ في “جامعة هارفارد”، ويعتقد بنجاح الكثير مما طرحه الكتاب واستمراره مثل قياس جودة الخدمات وتحسينها. واعتبر نظم قياس الأداء إرثًا إنتاجيًا لما يُسميه وسواه من الأكاديميين “الإدارة العامة الجديدة”.

وتعكس آراء المسؤولين عن هذه الأنظمة أوجهها الإيجابية والسلبية. ومثلًا تعتقد بيث بلاوير، المسؤولة عن “ستيت ستات” StateStat في ولاية ميريلاند، أن استخدام أنظمة قياس الأداء على النحو الصحيح يُساعد في اتخاذ القرارات السياسية. وتعتبرها علاجًا لعزلة المؤسسات الحكومية يدفعها لبحث المشكلات على المستوى العام.

ومع ذلك، تتفق بلاوير مع الرأي القائل بإغفال كتاب “إعادة اختراع الحكومة” سُبل التعامل مع آليات التشريع وجماعات المصالح مُقارنةً مع اهتمامه بعملية إعداد الميزانية بناءً على تحقيق النتائج. وأشارت إلى مشكلة أخرى تتصل بقياس النتائج؛ فبينما كان من المُفترض أن يُشجع الحلول الإبداعية، فإن الحديث عن الميزانية يدفع الوكالات إلى تبرير أداءها السابق بدلًا من التفكير المُبتَكر لحل المشكلات.

وفي تجربة ولاية واشنطن أسهم نظام مُساءلة الإدارة الحكومية، الذي بدأ في 2005، في تحسين الخدمات وتحسين مستوى المُساءلة وأداء الحكومة، لكن تقييمًا لاحقًا سلط الضوء على بعض عيوبه مثل الافتقار إلى المرونة والاهتمام بتنميق النتائج والعروض التقديمية أكثر من التجريب، ودوره المحدود في تحفيز الموظفين الذين يتعاملون مُباشرةً مع الجمهور.

واتجهت بعض الوكالات الحكومية في ولاية واشنطن إلى اختبار أسلوب مُختلف يُطلق عليه “التصنيع الرشيق” Lean، وهو مجموعة من المبادئ والأدوات التي نشأت أولًا في قطاع الصناعة، وخلافًا لنهج “إعادة اختراع الحكومة” يتبنى العمل من أسفل إلى أعلى. وبدأ تطبيقه في شركة “تويوتا” للسيارات بهدف تقليل الإهدار من خلال حث العمال في خطوط التجميع على تحديد المشكلات مهما كانت صغيرة واقتراح حلول لها. ويُسند ذلك للمديرين دورًا أقرب إلى المدرب أكثر منه إلى مُقيّم للأداء.

وقبل ثلاثة أعوام أطلقت ولاية واشنطن إطار عمل جديد باسم Results Washington لا يبتعد كثيرًا عن تقييم النتائج، لكنه يضع أهدافًا محددة في مجالات منها وفيات حوادث المرور ونظافة البيئة. وعوضًا عن تقديم النتائج لحاكم الولاية والاجتماعات الفصلية يتضمن خمسة مجالس للأهداف تضم مُديري الوكالات الحكومية، وتجتمع شهريًا لمُراجعة البيانات والاستراتيجيات والتعاون في وضع الحلول.

نظرة مُتفائلة نحو المستقبل

منذ أكثر من عشرين عامًا يُقدم أوزبورن استشاراته للحكومات، ويتحدث تيد جايبلر في المؤتمرات عن القضايا التي طرحها كتابهما المنشور في عام 1992. ويعتز المؤلفان بدور “إعادة ابتكار الحكومات” في تغيير أسلوب عمل القطاع العام، ويُقران بإخفاقه في تحقيق أكبر أهدافهما؛ أي تغيير العالم بتعبير أوزبورن.

ويعزو جايبلر هذا إلى ميل مسؤولي القطاع العام لتجنب المخاطرة. أما أوزبورن فتحدث عن الظروف الخارجية السيئة؛ فأكد على نجاح الكتاب في تحسين مستوى الثقة في الحكومات، ثم جاءت ظروف معاكسة مثل فضيحة مونيكا لوينسكي خلال رئاسة بيل كلينتون، وبعدها غزو العراق، وصولًا إلى الاستقطاب السياسي الحاد قبيل الانتخابات الرئاسية.

وعلى الرغم من مخاوف المؤلفين بسبب المناخ السياسي القائم، يُحافظان وغيرهم ممن يدعمون أفكار الكتاب على شعور التفاؤل حيال المستقبل، مستبشرين بدور التطورات الحاصلة في البيانات والتكنولوجيا في توفير معارف لم تتيسر من قبل وتخصيص الموارد بطرق جديدة كليًا والتوصل إلى اكتشافات ضخمة، بحسب ما يرى بيتر هاتشينسون الذي عمل سابقًا مفوضًا ماليًا لولاية مينيسوتا وشارك مع أوزبورن في تأليف كتاب “ثمن الحكومة: التوصل للنتائج المطلوبة في عصر الأزمة المالية الدائمة”.

المصدر