تكنولوجيا “بلوك تشين” داعم أساسي لازدهار العملات المحلية

لا يكفي تميز التكنولوجيا لنجاح الأفكار المبتكرة، بل ينبغي أيضًا تقديمها في التوقيت الملائم ووسط ظروف ملائمة. وفي فترة سابقة كانت “أجهزة الصراف الآلي” التكنولوجيا المناسبة في الوقت المناسب، وغيّرت علاقة ملايين الأشخاص بالنقود. وربما تُحدِث العملات المحلية نفس التأثير بالنسبة لجيل الألفية أي مواليد بداية الثمانينيات وحتى نهاية تسعينيات القرن العشرين.

ويُقصَد بالعملات المحلية عملات يُمكن استخدامها في نطاق مدن أو أحياء سكنية للتسوق وشراء البضائع المحلية وسداد الإيجارات وفواتير المرافق. وتبدو المرحلة الحالية مناسبةً تمامًا لهذه النقلة النوعية بسبب اجتماع ثلاث ظواهر رئيسية هي: التوسع الحضري، وسمات جيل الألفية، وتكنولوجيا “بلوك تشين”.

ووفقًا لصندوق الأمم المتحدة للسكان يخوض العالم أكبر موجة من النمو الحضري في التاريخ البشري، ويعيش أكثر من نصف سكان العالم في المدن، وبحلول عام 2030 سيرتفع عدد سكان المدن إلى خمسة مليارات نسمة. ويعني ذلك تحول المدن إلى مُحركات رئيسية للنمو الاقتصادي والمالي، وفي ظل ذلك سيتزايد الطلب على عملات مبتكرة تتماشى مع هذه النقلة.

أما الاتجاه الثاني الذي يدعم ازدهار العملات المحلية فيرتبط بالقواعد الاجتماعية والاقتصادية التي تُميّز جيل الألفية. ومن الغريب أن تكدس السكان في المدن لا يعني وجود مجتمعات مترابطة؛ فمع نمو المدن وسكن البشر على مسافات قريبة من بعضهم يتزايد الشعور بانقطاع التواصل، ما يُفسر الصلة بين العيش في المدن وارتفاع معدلات الإصابة بالاكتئاب.

وفي الوقت نفسه يشتهر جيل الألفية بسعيهم للشعور بالانتماء والارتباط الاجتماعي، ويتجلى هذا الميل في رواج العيش التشاركي واختيار كثيرين السكن في شقق مشتركة بدلًا من السكن بمفردهم. ومع الإقرار بالعوامل الاقتصادية التي تدعم هذا الاتجاه، إلا أنه يتصل أيضًا برغبة جيل الألفية في استعادة مشاعر الاتباط الاجتماعي التي أخفقت مواقع الإعلام الاجتماعي وحدها في تقديمها.

وتُلبي العملات المحلية هذه الحاجة لتقوية المجتمع التي يتوق إليها جيل الألفية، وتبني المجتمعات انطلاقًا من محافظ النقود، وتسمح لسكان المدن بمساعدة التجار المحليين والعكس. وبدلًا من اتجاه الأموال المُكتَسبة إلى مصادر غير ظاهرة، يبقى المال ضمن المجتمع المحلي، وحينها تزيد الفرص المتاحة وترتفع قيمة كل دولار أو جنيه يجري إنفاقه.

وخلصت دراسة من مؤسسة “التحالف الأمريكي للشركات المستقلة” غير الربحية إلى أنه مُقابل كل دولار يُنفق على الشراء والتعامل مع الشركات المملوكة للسكان المحليين تظل 48% منه ضمن المجتمع المحلي، مُقارنةً مع 4% فقط من كل دولار يُنفق في فروع الشركات الضخمة.

ويُشير ذلك إلى أن بمقدور النقود، وهنا العملات المحلية، المساعدة في تقوية المجتمعات عوضًا عن بيئات حضرية تسودها مشاعر الغربة والانعزال، الأمر الذي يُحول المدن إلى محركات للنمو الاقتصادي والتغيير وفي الوقت نفسه يُجدد أسلوب تفكير السكان حيال إنفاق أموالهم يجعل الأموال النقدية في خدمة المدينة.

عملة "جنيه بريكستون" المحلية في لندن

صدر “جنيه بريكستون” في عام 2009 كعملة ورقية تُستخدم إلى جانب الجنيه الإسترليني في منطقة بريكستون وأطلقت لاحقًا خدمة إلكترونية للدفع عبر الرسائل النصية، وتستهدف مساعدة السكان والتجار المحليين على دعم بعضهم البعض

ومن أمثلة العملات المحلية “جنيه بريكستون” Brixton Pound في منطقة بريكستون جنوبي العاصمة البريطانية لندن، ويستهدف دعم الشركات والشركات المحلية وتستخدمه المتاجر والتجار المحليون المستقلون. وكذلك عملة “بيشبش” Pishpesh التي يعتمدها 300 متجر محلي في مدينة تل أبيب.

وتُعد تكنولوجيا “بلوك تشين” الظاهرة الثالثة التي تدعم انتعاش العملات المحلية، ويُشبه تأثيرها على العملات المحلية دور الاتصالات عالية السرعة بالإنترنت تطور خدمات مثل “يوتيوب” و”سبوتيفاي”.

وتتسم التعاملات المالية عبر “بلوك تشين” بأنها آمنة للغاية ومضادة للفساد ويستطيع الجميع استخدامها عبر الهواتف الذكية، كما تُوفر بيانات اقتصادية في الوقت الحقيقي تُسهِم في تلبية احتياجات الاقتصادات المحلية. وتُقدم “بلوك تشين” للمواطنين وسيلة لدعم الشركات المحلية وتعزيز النمو الاقتصادي وزيادة فرص العمل في مجتمعاتهم من خلال استخدام عملات محلية.

ومن شأن ازدهار العملات المحلية أن يقود إلى نظرة جديدة للمال، وهي نظرة تقوم على التعاون بدلًا من الندرة والمنافسة، وتجعل المال أكثر نفعًا إذ أن النقود بحد ذاتها ليست ذات قيمة، وتستمد قيمتها وقوتها من الأشياء التي يُمكن إنجازها بواسطتها.

المصدر

الصور: 1 2