تكنولوجيا “بلوك تشين”: فرصة جديدة أمام الحكومات

لا تخفى حاجة الحكومات الناجحة إلى سجلات جيدة ومُنظمة لمختلف القطاعات من التعليم إلى الشرطة والضرائب وحماية البيئة. ويتزايد تعقيد حفظ السجلات مع تعدد مصادرها، وعلى سبيل المثال يتضمن السجل الخاص بمصباح كهربائي واحد معلومات منها المُصنِّع والمواد الخام وضمان السلامة من خط الإنتاج وتاريخ الشحن والمتجر والمنزل الذي انتهى إليه وضرائب المبيعات وعداد الكهرباء، وتتفرق هذه المعلومات في الحواسيب وخزائن الملفات لدى جهات عدة. ويصدق هذا التعقيد وأكثر على أمور مثل الانتخابات والملكيات العقارية والفكرية.

وفي الوقت الراهن تبرز تقنيات مُبهرة ستُعيد صياغة الحاضر والمستقبل مثل الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي والاقتصاد التشاركي، لكن ربما تكون القفزة المُقبلة تتعلق بأمر أكثر بساطة وأهمية وستُغير كيفية احتفاظ البشر بالسجلات؛ وهي تكنولوجيا “بلوك تشين” Blockchain.

وتُمثل “بلوك تشين” طريقة لتسجيل الأشياء ومُتابعتها، وبالتحديد هي عبارة عن برنامج يربط بين قواعد بيانات تستضيفها حواسيب في أماكن مُتفرقة، سواءً كانت سجلات مدفوعات أو التزامات أو ملكية أو غيرها. وهو أمر بالغ الأهمية في ظل ما تُواجهه مختلف المؤسسات والدول من تداعيات تنشأ عن تعدد السجلات وتعارضها، مثل عدم إضافة أصوات إلى نتيجة الانتخابات، وافتقار سجلات النفقات والأرباح إلى التوازن المطلوب.

وأسهم في تكنولوجيا “بلوك تشين” التطورات السريعة في قدرات المعالجة الحاسوبية والتشفير وانتشار استخدام الإنترنت، وإن كانت لم تُحقق بعد جميع وعودها بسبب الحاجة لتعاون الشركات والحكومات والمواطنين وحسم مسائل مثل الأمن.

لكن الاستناد على هذه النواقص للتقليل من قيمة “بلوك تشين” يُشبه تمامًا تجاهل الإنترنت في عام 1993 بسبب بطء المتصفحات حينها.

وربما يكون تقدم “بلوك تشين” أمرًا وشيكًا جدًا؛ وفي هذا العام وحده بلغت الاستثمارات في هذه التكنولوجيا 1.1 مليار دولار، وتستخدمها أكثر من ألف شركة ناشئة في مجالات التعليم والإعلام وتجارة التجزئة والخدمات المالية وغيرها بالإضافة إلى شركات شهيرة، كما شكَّل أكثر من أربعين مصرفًا اتحاد “آر 3” لبحث إمكاناتها، وسُجلت 2500 براءة اختراع تتصل بتكنولوجيا “بلوك تشين”، ويُقيّم أكثر من تسعين مصرفًا مركزيًا آفاق استخدامها.

وبالنسبة للحكومات والمعنيين بالابتكار في القطاع العام تُعد “بلوك تشين” فرصة وتحديًا في آنٍ واحد، كما كان الحال مع السفر إلى الفضاء والإنترنت؛ إذ لا تتوافر سوابق مُشابهة ودراسات وتشريعات مُلائمة. ومن المُمكن بيان قيمة “بلوك تشين” للحكومات بالنظر إلى إمكانية الاستفادة منها في إدارة حقوق النشر والتأليف للموسيقى وغيرها من الابتكارات الجديدة.

ويُعتبر تسجيل حقوق النشر والتأليف للأغاني والمقطوعات الموسيقية أمرًا مُعقدًا، يُناقض تمامًا سهولة بثها في خدمات مثل “سبوتيفاي” و”ساوند كلاود”، ويتضمن أطرافًا مختلفة مثل المؤلفين وشركات الإنتاج، وتُقسَّم ملكية حقوق النشر كأسهم على غرار الأصول الأخرى.

ويمنح الدستور الأمريكي، أسوةً بالقانون البريطاني، المبدعين “الحق المُطلق في كتاباتهم واكتشافاتهم”. وبمضي الوقت تنامى تعقد تسجيل الحقوق، وسمح بنماذج غير نهائية تقريبًا لتنظيمها. وأقر تقرير حديث من “مكتب حقوق النشر” في الولايات المتحدة بمساوئ نظام الترخيص لحقوق النشر.

ويرجع ذلك أساسًا إلى طبيعة الانتشار العالمي للموسيقى وتفرق سجلات الملكية، وبالتالي العجز عن إخطار الأطراف المعنية بالتغيرات. وهنا تتضح أهمية تكنولوجيا “بلوك تشين” كسجل مُتاح للجميع ويُدِرج جميع التعديلات فوريًا وبشفافية وعلى مستوى عالمي.

وبالفعل يُدرك فنانون ومنتجون قيمة “بلوك تشين” في علاج تعقيدات حقوق نشر الموسيقى، وتسعى “مبادرة أوبن ميوزك” إلى تطوير قاعدة بيانات لإدارة حقوق النشر تعتمد على “بلوك تشين”.

ولا ترجع أهمية “بلوك تشين” للقطاع الحكومي إلى إسهامها في خفض نفقات الإجراءات القانونية فحسب، بل يُمكنها أيضًا تحسين الأداء الحكومي في مهام محورية مثل حفظ الملكيات المادية والفكرية للفنانين والعلماء والمبتكرين.

المصدر والصورة