تاريخ موجز لتكنولوجيا “بلوك تشين”

كانت الكثير من التقنيات التي نعتبرها اليوم أمرًا مسلمًا به ابتكارات ثورية في حينها، ومنها الهواتف المحمولة ثم الذكية بتأثيرها الهائل على أسلوب العيش والعمل والتجارة الذي بدأ قبل عقد تقريبًا. ويقترب العالم اليوم من ثورة “بلوك تشين” أو “سلسلة الكتل”، وهي قاعدة بيانات مُوزعة تحتفظ بقائمة من السجلات أو “الكتل” يُضاف إليها باستمرار ولا يُمكن تعديلها، وجاءت ثمرة لعدد من الابتكارات خلال الأعوام العشرة الماضية.

وكان أولها عملة “بيتكوين” الرقمية التي تتراوح قيمتها السوقية الحالية بين 10 إلى 20 مليار دولار، ويستخدمها ملايين الأشخاص في المدفوعات والتحويلات المالية. وجاء الابتكار الثاني مع اتضاح إمكانات “بلوك تشين”، وإدراك إمكانية فصل التكنولوجيا الكامنة وراء “بيتكوين” عن العملة وتوظيفها في مختلف صور التعاون بين المؤسسات. واليوم تُجري معظم المؤسسات المالية في العالم أبحاثًا حول “بلوك تشين”، ويُتوقع أن تستخدمها 15% من المصارف خلال العام الحالي.

وتُمثل “العقود الذكية” ابتكارًا آخر، وظهرت في الجيل الثاني من “بلوك تشين” المعروف باسم “إثيريوم” ethereum، وهو منصة عامة مفتوحة المصدر تتضمن برمجيات صغيرة وتُتيح الأدوات المالية كالقروض والسندات عوضًا عن العملات الرمزية التي تُحاكي الأوراق النقدية كما في حالة “بيتكوين”. وتصل القيمة السوقية للعقود الذكية إلى نحو مليار دولار، وتسعى مئات المشروعات للاستفادة منها.

العملة الرقمية "بيتكوين"

كان ابتكار العملة الرقمية “بيتكوين” بداية تكنولوجيا “بلوك تشين” ثم بدأ التفكير في استخدام “بلوك تشين” وحدها في تطبيقات أخرى كتسجيل التعاملات والأصول وحقوق الملكية الفكرية

وتُمثل فكرة “proof of stake” أو الاعتماد على الرصيد في عمل “بلوك تشين” ابتكارًا جديدًا يختلف عن الأسلوب الحالي المعروف باسم “proof of work” الذي تتولى فيه المجموعة صاحبة النصيب الأكبر من إمكانات المعالجة الحاسوبية اتخاذ القرارات، ويُطلق عليهم “المنقبون” ويُشغلون مراكز بيانات ضخمة تحل معادلات مشفرة لضمان أمن التعاملات ويُنشئون كتلًا جديدة ويحصلون نظير ذلك على عملات مشفرة. أما النظام الجديد فيلغي الحاجة إلى مراكز البيانات ويستبدلها بأدوات مالية معقدة تضمن نفس مستوى الأمن أو تفوقه، ويجري اختيار من يُنشئون الكتل التالية بشكل شبه عشوائي بحسب ثرواتهم.

أما الابتكار الرئيسي الخامس الذي يحمله المستقبل القريب لتكنولوجيا “بلوك تشين” فهو قابليتها للتوسع blockchain scaling. وفي الوقت الحاضر يُعالج كل حاسب متصل بشبكة “بلوك تشين” جميع التعاملات في إجراءات بطيئة. ومن أجل ضمان السرعة دون الانتقاص من الأمن ستقوم شبكة موسعة من “بلوك تشين” بتحديد عدد الحواسيب اللازمة للتحقق من كل معاملة وتقسيم العمل بكفاءة.

ويُعد تحقيق ذلك مع عدم المساس بالأمن والقوة اللذان تشتهر بهما “بلوك تشين” مهمة صعبة، وإن لم تكن مستحيلة. ومن المُتوقع أن تكفي سرعة “بلوك تشين” الموسعة لتشغيل إنترنت الأشياء وتتنافس مباشرةً مع أنظمة الوساطة في مجال المصارف مثل فيزا وسويفت.

ووُلدت هذه الابتكارات خلال عشرة أعوام فقط نتيجة عمل علماء الحاسب والتشفير والرياضيات. ومن المؤُكد أن ظهور إمكاناتها الكاملة سيُحدِث تغييرات واسعة في المجتمعات. ومثلًا ربما تستخدم السيارات ذاتية القيادة والطائرات بدون طيار “بلوك تشين” لسداد رسوم محطات الشحن ومنصات الهبوط. وستتطلب التحويلات الدولية للعملات ساعة أو دقائق قليلة بدلًا من حاجتها لأيام وبدرجة من الأمن والموثوقية تفوق ما تُوفره الأنظمة القائمة.

وستقود هذه التغيرات وغيرها إلى تخفيضات كبيرة في تكاليف التعاملات المالية، ستُؤدي بدورها إلى تجمع أو تفكك النماذج التجارية الحالية على نحوٍ مفاجئ ويصعب التنبؤ بنتيجته. وحدث تغيير مُماثل في المزادات مع الإنترنت والتجارة الإلكترونية وبدلًا من إجراءها محليًا تتم الآن على مستوى عالمي بفضل مواقع مثل “إي باي”. ومن المُتوقع أن تُطلق “بلوك تشين” سلسلة من التطورات المُتعاقبة على غرار ما أحدثته التجارة الإلكترونية في نهاية التسعينيات.

وفي الواقع يصعب التنبؤ تمامًا بالتطورات التالية؛ فلم يتوقع أحد ظهور مواقع الإعلام الاجتماعي ونجاحها واستحواذها على نصيبٍ كبير من الوقت المُخصص للتلفزيون. وعادةً ما تُغالي التحليلات في تقدير سرعة تطور الأحداث، وتبخس قيمة آثارها على المدى الطويل. ويُشير حجم “بلوك تشين” إلى أن تأثيراتها ستُضاهي ما أحدثه الإنترنت كابتكارٍ محوري دون أن يكون في ذلك مبالغة.

ومع نضج “بلوك تشين” وتنامي الإقبال عليها سيتوسع دورها في تحسين سلاسل التوريد والسجلات الصحية وحتى مواقع المواعدة. ونظرًا لما وصلت إليه خلال عشرة أعوام فقط فقد يحدث ذلك كله قريبًا جدًا. وهو أمر تنبهت إليه حكومات انطلاقًا من مسؤوليتها عن الابتكارات في البنى الأساسية. ومثلًا أصدرت حكومة دبي في الإمارات العربية المتحدة استراتيجيتها للتعاملات الرقمية، وتطمح إلى إدارة جميع الوثائق الحكومية عبر “بلوك تشين” بحلول عام 2020.

ويتصور مفهوم “إنترنت الاتفاقات” Internet of Agreements استثمار “بلوك تشين” في تيسير التجارة العالمية والتخلص من عقبات سببتها أحداث مثل انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي والانسحاب الأمريكي من “اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ”.

المصدر

الصور: 1 2