بعد هجوم لندن: تجدد الجدال حول دور شركات الإنترنت في مكافحة الإرهاب

صار من المُعتاد في أعقاب الهجمات الإرهابية لوم الإنترنت وشركات التكنولوجيا على سماحها بنشر محتوى يُشجع على الكراهية والعنف، وتوفيرها وسائل لتواصل المتطرفين وتخطيطهم للهجمات. ويصحبها دعوات لتحمل الشركات مسؤوليتها، وأحيانًا مطالبات بتخفيف معايير التشفير والسماح للسلطات بالوصول لبيانات المستخدمين. ومن جانبها تُؤكد شركات التكنولوجيا على اهتمامها بحذف المحتوى المتطرف، ويلي كل حادث جديد جولة من الاتهامات الحكومية ودفاع شركات الإنترنت.

وباتت الموازنة بين الأمن القومي والخصوصية الرقمية قضية مركزية في الوقت الراهن، تُطَرح في العديد من الدول، ويُشارك في مناقشتها مؤسسات مدنية وساسة ومشرعون وشركات التكنولوجيا وتختلف حولها الأحزاب السياسية. ولكل جانب أنصاره وحججه، ويصعب التوصل إلى إجابات قاطعة لحسم الجدال.

وعلى مدار ثلاثة أشهر تقريبًا شهدت المملكة المتحدة ثلاثة هجمات إرهابية بارزة. وفي أعقاب الهجوم على قاعة للحفلات في مدينة مانشستر في الثاني والعشرين من مايو/أيار 2017 قالت رئيسة الوزراء تيريزا ماي أن على الحكومة البحث عن سُبل لإجبار شركات التكنولوجيا على إتاحة “أبواب خلفية” في خدماتها تسمح لوكالات إنفاذ القانون بالوصول إلى بيانات المُشتَبه بهم بسهولةٍ أكبر.

وكررت ماي موقفها في تصريحاتها عقب هجوم على جسر لندن في الرابع من يونيو/حزيران. وقالت: “لا يُمكننا السماح لهذه الأيدلوجية بالمساحة الآمنة التي تحتاجها للنمو، لكن هذا بالضبط ما يُوفره الإنترنت والشركات الكبيرة التي تُقدم خدمات مُعتمدة على الإنترنت”، وأضافت: “نحن بحاجة إلى التعاون مع الحكومات الديمقراطية الحليفة للتوصل إلى اتفاقات دولية تُنظم الفضاء السيبراني لمنع انتشار التطرف والتخطيط للإرهاب”.

رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي

خطاب رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي عقب هجمات وقعت مساء الثالث من يونيو على جسر لندن وفي سوق بارا

وقالت وزيرة الداخلية أمبر رود أن شركات التكنولوجيا بحاجة إلى التخلص من المحتوى المُتطرف والحد من إمكانية التشفير من الطرف إلى الطرف الذي يستطيع الإرهابيون استغلاله. (اقرأ أيضًا: تقرير يتناول تأثير التشفير على حصول سلطات التحقيق على البيانات)

وبينما لم تُقدم تصريحات ماي رؤيةً مُفصلة، إلا أنها أكدت توجه حزبها -“حزب المحافظين”- قبل أيام من انتخابات عامة مُنتَظرة في الثامن من يونيو؛ وهو السعي لتسليح حكومة، تتمتع بالفعل بإحدى أقوى قدرات المراقبة الرقمية بالنسبة لبلدٍ ديمقراطي، بقوانين إضافية أكثر صرامة لمنع الإرهاب.

وتكمن مشكلة هذه النداءات في تجاهلها آلية عمل الإنترنت والأجهزة الإلكترونية الشخصية. وحتى إذا ما وافقت شركات البرمجيات والأجهزة مثل “جوجل” و”آبل” على المطالب الحكومية، فمن السهل على المتطرفين اللجوء لاستخدام المصادر المفتوحة وهواتف بديلة. ويُضاف إلى ذلك الخلل الذي يشوب فكرة إطلاق أيدي الحكومات في الإطلاع على بيانات المواطنين بدعوى المحافظة على الأمن وعمليات التحقيق.

ويحمل القول بأن التخلي عن التشفير سيُفيد في هزيمة المتطرفين الكثير من المغالطات والمُبالغة في التبسيط، ويُمثل اتهام شركات التكنولوجيا ووصمها بتوفير بيئة حاضنة للإرهاب –على أفضل تقدير- رد فعل مُتعجل للغاية على حوادث مُروعة.

وتجتمع شركات التكنولوجيا والخبراء على أن التخلي عن التشفير القوي يعني تعريض أمن الأشخاص وبياناتهم للخطر، وليس فقط السماح للحكومات بالوصول لبيانات المُشتبه بهم أو المجرمين. (اقرأ أيضًا عن نزاع “آبل” مع الحكومة الأمريكية حول اختراق هاتف يعود لأحد المشاركين في هجوم إرهابي)

ومن دون شك تستفيد المجموعات الإرهابية من الأدوات الرقمية لنشر رسائلها وأفكارها وتجنيد الأعضاء والتخطيط. وعمومًا يتنامى تأثير “تويتر” و”يوتيوب” و”فيسبوك” و”واتساب” على أساليب مشاركة المعلومات والتواصل حول العالم. ويُبرر ذلك ضرورة حث شركات التكنولوجيا على حذف المحتوى المتطرف ومنع المستخدمين الذين ينشرونه.

لكن ذلك لن يتحقق عبر استعراض مُفزع لأخطار العصر الرقمي؛ فمن ناحية كثيرًا ما تنتشر دعوات الإرهاب وتجتذب جنودها عبر التواصل الشخصي المُباشر، ومن ناحية أخرى إذا ما أقرت حكومات ديمقراطية لوائح تنتهك خصوصية الأفراد فلن تتمكن من انتقاد إجراءات مُماثلة تُصدرها حكومات أخرى.

هجمات لندن، يونيو/حزيران 2017هجمات لندن، يونيو/حزيران 2017

يتكرر توجيه الاتهامات لشركات التكنولوجيا عن توفيرها وسائل لتواصل المتطرفين ونشر دعواتهم. الصورة للشرطة البريطانية عقب هجمات لندن في شهر يوينو

وقالت وزيرة الثقافة كارين برادلي أنه يتعين على شركات التكنولوجيا معالجة محتوى التطرف بطريقة مُشابهة لتخلصها من الصور غير اللائقة للأطفال: “نعرف أن ذلك مُمكن، وأن شركات الإنترنت ترغب في ذلك”.

ولا تتنصل شركات التكنولوجيا من دورها في تنقية المحتوى. وقالت “جوجل” أنها تُخصص ملايين الدولارات لمحاربة سوء استخدام منصاتها. وتحدثت “فيسبوك” عن جمعها بين التكنولوجيا والمراجعة البشرية لحذف محتوى الإرهاب، كما أشارت إلى إبلاغها سلطات إنفاذ القانون عند علمها بحالة طارئة تنطوي على خطرٍ وشيك على سلامة الأشخاص. وأكدت “تويتر” على أنه ما من مكان لمحتوى الإرهاب في موقعها.

وحذرت “مجموعة الحقوق المفتوحة”، المعنية بالدفاع عن الخصوصية وحرية التعبير على الإنترنت، أن فرض المزيد من اللوائح يدفع شبكات الإرهابيين إلى استخدام العوالم الأكثر قتامة من الويب. ولفت الدكتور شيراز ماهر، نائب مدير “المركز الدولي لدراسة التطرف” في جامعة “كينجز كوليج لندن”، إلى تغير أسلوب استخدام المجموعات الجهادية لمواقع الإعلام الاجتماعي، وتحولها إلى طرق أكثر سرية واستخدامها تطبيق التراسل المُشفر “تيلجرام” كمنصة رئيسية.

واعتبر البروفيسور بيتر نيومان، وهو مدير في “المركز الدولي لدراسات التطرف”، أن إلقاء اللائمة على موقع الإعلام الاجتماعي مُريح سياسيًا، لكنه يُعبر عن كسلٍ فكري.

لكن الدكتورة جوليا روششينكو، الباحثة في مركز هنري جاكسون للاستجابة للتطرف والإرهاب”، ترى أن باستطاعة شركات التكنولوجيا العملاقة القيام بالمزيد لاجتثاث هذا النوع من المحتوى، ورأت أن شركات التكننولوجيا فعلت أكثر مما يجب لصالح الخصوصية وليس الأمن: “نعلم جميعًا أن شركات الإعلام الاجتماعي كانت أداةً نافعة للغاية لدعاة الكراهية والمتطرفين”.

وتُنادي بعض الأصوات باستخدام المال كنقطة ضغط على شركات التكنولوجيا من خلال ضغوط المعلنين وأصحاب الأسهم لدفعها للقيام بالمزيد لمكافحة المحتوى الذي يحض على التطرف.

المصادر: 1 2

الصور: 1 2 3

إضافة تعليق على المقاله