تجربة المدن الذكية بين سنغافورة وسونجدو

في ضوء النمو المُطرد لعدد سكان المناطق الحضرية وتحول خمسة مليارات شخص للعيش قي المدن بحلول عام 2030، لم يُعد تبني المدن للتكنولوجيا الحديثة والذكية نوعًا من الرفاهية بقدر ما صار سبيلًا رئيسيًا لاستمرارها ونجاحها في توفير الخدمات الأساسية لسكانها.

وتتجه الكثير من المدن إلى تحديث بنيتها التحتية ومرافقها لتُلائم العصر الرقمي وتستفيد منه، في حين تُؤسَس مدن ذكية من البداية. وقال أستاذ هندسة المعلومات في “المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا” ETH في زيوريخ، جيرهارد شميت: “تُستخدم كلمة (ذكي) كثيرًا في المدن، لكنها تقتصر على البيانات الفنية ومُدخلات أجهزة الاستشعار وأنظمة التحكم والتطبيقات”.

ويعتقد شميت بالحاجة إلى تحول المدن إلى أنظمة مُتجاوبة من خلال منهج يعتمد على البشر، وتقديم المواطنين لآرائهم في سير العمل في المدينة إلى المسؤولين عن إدارتها. ويتولى شميت مسؤولية “مختبر مدن المستقبل” في سنغافورة، ويتبع المختبر “المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا”.

سنغافورة: نموذج مثالي لتطبيقات المدن الذكية

تُمثل سنغافورة أحد أفضل النماذج المُعبرة عن مساعي تأسيس المدن الذكية. وفي أبريل/نيسان من العام الماضي وصف فيفيان بالاكريشنان، الذي شغل حينها وزير البيئة والموارد المائية في سنغافورة كما يتولى مسؤولية “مبادرة الأمة الذكية”، ما تفعله بلاده بممارسة لخيال مستميت لأجل البقاء، وقال أن الدافع وراء الابتكار لا يكمن في جاذبيته بل في ضرورته للنجاة والاستمرار على قيد الحياة.

وتُخطط المبادرة لتجربة أنواع مختلفة من التكنولوجيا الذكية في سنغافورة. وقال الرئيس التنفيذي لمؤسسة الأبحاث الوطنية، البروفيسور لو تيك سينج: “نحاول إنشاء نسخة افتراضية من المدينة بأكملها”، وأشار إلى العمل على إنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد لجميع المباني بما في ذلك الزجاج والخرسانة والجغرافيا الداخلية للمبنى، بالإضافة إلى الاستعانة ببيانات مباشرة من الكاميرات لإدارة المرور والكوارث.

وطبقت حكومة سنغافورة مجموعة كبيرة من التجارب الرقمية في البيئات الحضرية في منطقة “جورنج ليك” Jurong Lake  العام الماضي. واستخدمت أكثر من ألف جهاز استشعار من خلال صناديق Above Ground Boxes في الشوارع، وتُوفر الصناديق اتصالات فائقة السرعة عبر الألياف الضوئية وتستوعب مختلف أجهزة الاستشعار.

وتختبر نظامًا آليًا للصرف الصحي يُحدد مدى نظافة المناطق العامة بالاستعانة بصناديق ذكية للقمامة والتحليل المُتقدم للفيديو. وطورته شركة “زويك” ZWEEC لأنظمة الرؤية الحاسوبية ومعهد “تيماسك بوليتكنك” Temasek Polytechnic في سنغافورة.

كما تنقل مركبات ذاتية القيادة الركاب بالفعل، واشتركت في تطويرها “جامعة سنغافورة الوطنية”، وتحالف “سمارت” للأبحاث والتكنولوجيا الذي يجمع بين سنغافورة و”معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” في الولايات المتحدة، ويحمل اختصارًا اسم “SMART”.

وامتدت تجارب السيارات ذاتية القيادة إلى الجامعات، كما ستتوسع إلى منطقة “وان-نورث” One-North الصناعية خلال العام الحالي، وتضم مقرات لشركات مُتخصصة في التكنولوجيا الحيوية والإعلام والبحوث والتطوير.

وتبدو السيارات ذاتية القيادة على صلة مباشرة بتخطيط سنغافورة للمستقبل. وقال سينج من “مؤسسة الأبحاث الوطنية”: “لا نرغب في زيادة عدد السيارات في طرقنا”، واعتبر أن السيارات ذاتية القيادة تُلائم المواصلات العامة أكثر من السيارات الخاصة.

وقال المعماري والباحث في المدن الذكية، كارلو راتي، أن دراسة حديثة خلصت إلى أنه من المُمكن تلبية الطلب على النقل في مدينة مثل سنغافورة بالاستعانة بنسبة 30% فقط من السيارات المستخدمة بالفعل.

سونجدو: مدينة ذكية منذ الميلاد

تمتد مدينة سونجدو Songdo على مساحة ستة كيلومترات مربعة تقريبًا على بعد نحو خمسة وستين كيلومتر إلى الجنوب الغربي من العاصمة الكورية الجنوبية سيؤول، وتُقدم مثالًا آخر على محاولة الانخراط في العصر الرقمي من البداية، ومع تأسيسها تم مراعاة إضافة ألياف ضوئية عالية السرعة وأجهزة استشعار ونظام للنقل يعتمد تكنولوجيا فائقة.

وقال مطور العقارات في شركة “جال إنترناشيونال” Gale International والمسؤول عن مشروع سونجدو، توم مركوت: “من منظور البنية التحتية استطعنا وضع أحدث تكنولوجيا للاتصالات في الأرض قبل الإنشاء”. وأسست “جال” بالتعاون مع “سيسكو” Cisco شركة منفصلة تحمل اسم “يو-لايف سوليشنز” u-Life Solutions لتوفير تكنولوجيا إنترنت الأشياء للمباني في سونجدو.

وتُتيح هذه التقنيات للمواطنين التحكم في أجهزة التكييف والتلفزيون والمصاعد، كما أتاحت “سيسكو” نظامًا فائق الوضوح للاتصالات أو “الوجود عن بعد” Telepresence في أربعة عشر ألف وحدة سكنية، يستخدمها السكان للتفاعل مع مسؤولي المدينة ومديري المتاجر والعاملين في الرعاية الصحية، بحسب ما قال مركوت.

وفيما يتعلق بالتخلص من النفايات تستخدم سونجدو نظامًا يعتمد على الأنابيب لجمع القمامة من المنازل ونقلها إلى مراكز معالجة تُصنف المواد وتتولى إعادة تدويرها.

وأوضح مركوت أن عام 2016 سيشهد تنفيذ مثل هذه الخدمات على نطاقٍ واسع، بالإضافة إلى تجربة خدمات جديدة بالتعاون مع حاضنة مشروعات الأجهزة “سبارك لابز” SparkLabs. ولفت مركوت إلى ما تتميز به سونجدو من توفير مختبر حي لتجربة التكنولوجيا الجديدة، وروح الابتكار في سكانها.

الابتكار في الدول النامية

لا تقتصر الحاجة إلى الابتكار في البيئات الحضرية على الاقتصادات المتقدمة، بل تشمل وربما بدرجة أكبر المدن الكبيرة وسريعة النمو في العالم النامي، لكنها تتطلب تقنيات مختلفة تُلائم ظروفها البيئية ومواردها وإمكاناتها المالية.

وقال جيرهاد شميت: “تُلائم أجهزة الاستشعار وأنظمة التحكم المتطورة مدنًا مثل ملبورن أو لندن أو سيدني، لكن لا يعيش 90% من سكان المدن في ظروف مناخية باردة ومعتدلة، بل يعيشون بالقرب من خط الاستواء، وهناك لا تعمل أغلب هذه التكنولوجيا الذكية”.

وأضاف شميت: “يُمكن أن تتحول هذه المدن إلى مدن ذكية، لكن تلزمها ابتكارات ميسورة التكلفة وصالحة للاستخدام”. ويُدير “مختبر مدن المستقبل” مشروعات في عشرين مدينة استوائية منها لاجوس ومومباي وجاكرتا ويانجون، بالإضافة إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا تحت اسم “أديس 2050″، ويُشارك المختبر في إنشاء شبكة جديدة للطاقة.

ومع أهمية التكنولوجيا لا يُمكن الاعتماد فقط على ما تمتلكه المدن من تكنولوجيا “ذكية”، بل تحتاج، كما يرى شميت، إلى استخدام التصميم المعرفي، ومشاركة المواطنين أنفسهم في تصميم مدنهم. واعتبر أن دور التكنولوجيا يكمن في توسيع وتعزيز أدوات الاستشعار الإنسانية، ما يعني أن العالم ليس فقط بصدد مدن ذكية، بل مدن بعد إنسانية.

المصدر

مصدر الصور