تجربة شركة “سيسكو” في إدارة الابتكار مُتعدد الأطراف

في ظل تنامي أهمية التقنيات الرقمية وارتباطها بمختلف المجالات، تجد المؤسسات نفسها أمام فرص لا تستطيع وحدها أو حتى القطاعات ككل الاستفادة منها دون مشاركة أطراف مختلفة في الابتكار وتطوير الحلول المُلائمة ما يعني الابتكار على مستوى النظام الشامل Ecosystem Innovation.

وتدعم شركة “سيسكو” لمعدات الشبكات هذا المفهوم من خلال تنظيم ما تُطلق عليه “مختبرات سيسكو الحية للابتكار المُترابط أو مُتعدد الأطراف” Cisco Hyperinnovation Living Labs أو CHILL، وتتميز عن التحالفات التقليدية والتعاون في الأبحاث والتطوير بين الشركات بتركيزها على الاستفادة التجارية السريعة من الأفكار المبتكرة دون الخوض في جدالات قانونية حول الملكية الفكرية.

ويرى الرئيس التنفيذي لشركة “سيسكو”، تشاك روبنز، أنه ما من شركة يُمكنها تقديم مختلف حلول التكنولوجيا التي يحتاج إليها المستهلكون بالوتيرة السريعة للسوق. وأضاف أن عملية الابتكار مُتعدد الأطراف تجمع شركته بمؤسسات أخرى ومستهلكين؛ لإيجاد فرص جديدة للأعمال وأفكار عملية عبر جلسات من التحليل المُكثف والتعاون.

ومثلًا سعى أحد هذه الملتقيات إلى ابتكار بديل للسجلات الورقية التي يعتمد عليها العاملون في المستودعات، واقترح أجهزة قابلة للارتداء بتقينة الواقع المُعزز. وتوصل آخر إلى منصة للبيانات المفتوحة لحل مشكلات ملكية البيانات. وتُحاول المختبرات توفير بيئة تُحفز على الإبداع والتعاون من خلال جلسات التأمل الذهني واستضافة مبتكرين ورواد من مختلف التخصصات.

وتبدو النتتائج المُبكرة مُبشرة، وتُقدِّر “سيسكو” أن المختبر الذي شاركت فيه شركات “إيرباص” و”كاتربيلر” و”دي إتش إل” حول سلسلة التوريد والعمليات اللوجيستية سيُثمر مشروعات داخلية ومشتركة للتحول الرقمي تصل عائداتها إلى 6 مليار دولار وتُوفر 3.4 مليار دولار من النفقات خلال الأعوام العشرة المُقبلة. وحتى إذا لم تنتهي الأفكار إلى مشروعات فعلية، فإنها تُطور إمكانات الابتكار في المؤسسات.

ويتطلب تنفيذ الابتكار على مستوى النظام الشامل مُعالجة تحديات التعاون بين مؤسسات كبيرة لكلٍ منها ثقافتها وأهدافها، ويحتاج إلى قيادة تُيسر عملية التعاون وتُطبق أفكار الشركات الناشئة الرشيقة والتفكير التصميمي، وتُنفَذ “مختبرات سيسكو الحية للابتكار المُترابط” على أربع مراحل تستغرق عدة أشهر على النحو التالي:

أولًا: تحديد مجالات الاهتمام وشركاء الابتكار:

تُحدد الشركة المُضيفة مجالات الاهتمام أو التركيز وفقًا لخططها الاستراتيجية مثل التمويل أو الرعاية الصحية. ويُقيّم فريق “مختبرات سيسكو الحية للابتكار مُتعدد الأطراف” المؤسسات الشريكة المحتملة وفقًا لثلاثة اعتبارات هي: نضج قدراتها على الابتكار، وامتلاكها دورات ابتكار داخلية متطورة، وتجاربها السابقة في التعاون مع شركات أخرى والشركات الناشئة واستثماراتها في الشركات الناشئة.

ويجري اختيار الشركاء استنادًا على توافق الأهداف وقوة السوق والموارد، ولا يلزم انتماءهم إلى القطاع ذاته، وفي الواقع تنبع الأفكار الأكثر تنوعًا وتطورًا من المؤسسات المتخصصة في قطاعات أخرى شريطة أن يرتبط عملها بالمؤسسة المضيفة وموضوع المختبر.

ويبحث فريق إدارة “مختبرات سيسكو الحية للابتكار المُترابط” أيضًا عن المؤسسات التي تتقبل المشاركة بمسؤولين بارزين يتمتعون بمعرفة جيدة بأهداف المؤسسة والتحديات التي تعترض مجالاتهم وعملية الابتكار ولديهم سلطة اتخاذ القرار وتخصيص الموارد لمشروعات جديدة. وتتطلب المشاركة في المختبرات، التي تُحاكي أسلوب الشركات الناشئة، موظفين يحظون بالنفوذ لاتخاذ القرار والحماس في آنٍ واحد.

ثانيًا: تحديد المشكلات:

يستلزم نجاح الابتكار على مستوى النظام الشامل تحديد دقيق للمشكلات، ويمضي فريق “مختبرات سيسكو الحية للابتكار المُترابط” ثلاثة أشهر في النقاشات مع مسؤولين تنفيذيين وخبراء ومستهلكين لفهم المشكلات، وتحديد أيها يُمثل فرصًا ثمينة للمؤسسات المشاركة. ويختار الفريق مشكلة واحدة، وبعد فهم أسبابها الجذرية يرصد فرصًا مُحددة يسعى لحلها في المرحلة التالية.

ثالثًا: اتفاق المشاركين على نماذج أولية للحلول المُقترحة:

تُمثل هذه المرحلة الجزء الأكثر وضوحًا من “مختبرات سيسكو الحية للابتكار المُترابط”، وتستغرق يومين. وتتألف فرق يضم كلٌ منها أربعة أو خمسة من المسؤولين التنفيذيين من المؤسسات المشاركة، يعملون على وضع افتراضات وأفكار لحل المشكلات خلال ثلاثين دقيقة، وتقديمها في نماذج أولية خلال مدة مُماثلة، واختبارها مع المستهلكين النهائيين وجمع تعليقاتهم خلال ثلاثين دقيقة، والاستفادة منها لتنطلق دورة جديدة مُتصلة من بناء النماذج الأولية والاختبار والتعلم.

وقد تكون النماذج الأولية رسوم بسيطة أو قصص مصورة أو قصاصات ورقية، وبعدها قد تتطور إلى نماذج بالحجم الطبيعي أو واجهات رقمية بمساعدة فريق من المهندسين ومطوري البرمجيات. وتُعتبر النماذج الأولية، مهما كانت بسيطة، أدوات ثمينة لتسريع الابتكار واختبار جدوى الافتراضات.

رابعًا: تحقيق الالتزام والمتابعة:

تُقدم الفرق المشاركة في اليوم الثاني عروضًا تقديمية أمام لجنة تضم مديرين تنفيذيين بارزين في”سيسكو” والمؤسسات المُشاركة، وتستعين الفرق بمحللين متخصصين لمساعدتهم على التفكير من منظور نماذج الأعمال و”القيمة المُعرضة للخطر”، وهو مقياس تعتمده “سيسكو” لتحديد العائدات الناتجة عن الابتكارات والنفقات التي يُمكن توفيرها، وهي لغة تفهمها مختلف المؤسسات.

وبعد عرض الابتكارات يلتزم أفراد اللجنة بالاستثمار في الأفكار التي وافقوا عليها، وتستهدف هذه الخطوة وضع أطر زمنية محددة لدورات الابتكار وإضفاء أجواء الحماس التي تُعزز النجاح المستقبلي للمشروعات. ويُمضي كل فريق أسبوعين في تأليف النموذج الأصلي لابتكارهم ويتضمن: جمع المحتوى وردود أفعال المستهلكين، والهيكل المادي أو التعليمات البرمجية المستخدمة في تطوير النماذج الأولية، ونموذج للعمل التجاري، وخطة عمل للأشهر الستة التالية.

ومن السهل قياس نتائج عمليات الابتكار على مستوى النظام الشامل وفقًا للإيرادات المالية، لكن قيمتها الحقيقية تفوق العائدات وتتوزع بين ثلاثة أنواع على النحو التالي:

  1. قيمة الانطلاق: تعني العائدات الجديدة أو تعزيز سمعة المؤسسة بفضل تسويقها للابتكار. وحتى الآن حصلت 75% من المشروعات في “مختبرات سيسكو الحية للابتكار المُترابط” على تمويل وفي سبيلها للطرح التجاري كمشروعات داخل المؤسسات أو تشترك فيها مع غيرها أو كشركات ناشئة تابعة. وتتوقع “سيسكو” تحقيق بعض هذه المشروعات إيرادات بمليارات الدولارات، وحتى إن أثمرت نصف هذه التقديرات فقط، فستظل قيمتها كبيرة.
  1. القيمة الاستراتيجية: تتمثل في الصلات الناشئة بين المؤسسات المشاركة وفرص التعاون المستقبلي مع أطراف ربما لم يسبق للمؤسسة اعتبارهم ضمن شركائها المحتملين.
  2. القيمة النهائية: تعني المعارف الجديدة والحلول التي لا تُستغل تجاريًا، لكن يستثمرها المشاركون في تحسين تعريفهم للمشكلات واحتياجات المستهلكين. ويجعل هذا التعاون من المؤسسات الكبيرة أكثر رشاقة واستعدادًا للمخاطرة.

ولا يُمثل الابتكار على مستوى النظام الشامل حلًا نهائيًا، لكنه سبيل يُوصل إلى طرقٍ جديدة لزيادة الأرباح. وعلى الرغم من صعوبة ضمان نجاح جميع المشروعات وإخفاق بعضها، يُتيح هذا النوع من الابتكار للمؤسسات جمع أفكار ومهارات وموارد متنوعة؛ من أجل إيجاد حلول سريعة لعقبات على مستوى النظام الشامل، كما يُعزز قدرتها على الابتكار والاستفادة من فرص تنشأ من تداخل المنتجات والشركات والقطاعات.

المصدر

الصورة