تحسين الخدمات الرقمية مسؤولية مشتركة للحكومة والمواطنين

في كثيرٍ من الأحيان لا تترك تجربة التعامل مع المواقع الحكومية على الإنترنت أثرًا طيبًا لدى المستخدمين لأسبابٍ منها التصميمات القديمة وغير المتجاوبة مع تغير الأجهزة وتطورات العالم الرقمي وتعقيدات الاستخدام والمصطلحات القانونية، وهي صورة تختلف كليًا عن شركات التكنولوجيا التي تُجري يوميًا عشرات من التجارب لتحسين تجربة المستخدمين والتوافق مع تفضيلات كل مستخدم.

وبحسب مقال كتبه توم كوكران فإن التغيير مُمكن -وإن كان لن يحدث بين عشيةٍ وضحاها- لكنه يستلزم في المقام الأول مطالبة المواطنين بتحسين الخدمات الرقمية كجزءٍ أصيل من مسؤوليتهم وحقهم في حكومات خاضعة للمساءلة تُقدم أفضل الخدمات. ويشغل كوكران حاليًا منصب نائب الرئيس ومسؤول الاستراتيجية الرقمية في شركة “أكويا” Acquia للبرمجيات، وعمل من قبل مديرًا للتكنولوجيا الرقمية في وزارة الخارجية وفي البيت الأبيض ضمن إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما.

ويرى في مقاله أنه لا ينبغي اعتبار المواقع الحكومية على الإنترنت شأنًا أقل أهمية أو مختلفًا عن واجبات الحكومة الأخرى في خدمة الشعب، بل يتساوى تقديم خدمات رقمية سهلة الاستخدام وسريعة مع تطوير البنية التحتية كالطرق والجسور، ومع مسؤولية الحفاظ على أمن الطائرات العسكرية، وانتظام تحصيل الضرائب والضمان الاجتماعي. وتستهدف المواقع الحكومية تزويد المواطنين بخدمات ومعلومات أساسية. (اقرأ أيضًا: تحسين الخدمات الرقمية أساس لنجاح عمل الحكومة)

موقع الحكومة الفيدرالية الأمريكية على الإنترنت

في العصر الرقمي الحالي يُشكل تقديم الحكومة لخدمات رقمية سهلة الاستخدام وحديثة جزءًا أساسيًا من واجباتها في توفير البنى الأساسية والخدمات (صورة من موقع الحكومة الفيدرالية الأمريكية على الإنترنت)

وكتب كوكران أن تباطؤ الحكومات في الابتكار لا يرجع إلى نقص الإمكانات التقنية والمهارات، بل إلى قناعتها بالوضع الراهن دون تغيير. وبينما يتطلب الابتكار بطبيعته بعض المخاطرة، تسعى الحكومات بشتى السُبل لتجنب المخاطرة ما يعني الركون إلى أساليبها المُجربة. (اقرأ عن: دور العصر الرقمي في دفع الحكومات إلى الابتكار)

وخلافًا لشركات القطاع الخاص المرنة وسريعة الخُطى، لا يُواجه القطاع الخاص ضغوط المنافسة المعتادة. ومثلًا لا يتوافر أمام المواطنين بديل للمؤسسات الحكومية المعنية في أمور كثيرة مثل الحاجة إلى تجديد رخص القيادة. وفي غياب قوى المنافسة لا تشعر المؤسسات الحكومية بحاجتها إلى الابتكار والمخاطرة في العالم الرقمي الجديد.

ويرى كوكران أن للمواطنين الحق، وعليهم مسؤولية، إخضاع حكوماتهم للمساءلة. ويشمل ذلك المطالبة بخدمات رقمية بسيطة ومُحدثة وسهلة الاستخدام ومُتاحة للجميع. ويعني عجز الحكومات عن تقديم المعلومات إخفاقًا في الوفاء بواجباتها أمام الشعوب.

وتتمثل الخطوة الأولى للتغيير في اختيار أفضل تكنولوجيا مُلائمة. واستنادًا إلى تجربته في القطاع الحكومي وإدارة موقع البيت الأبيض، قال كوكران أن الاستعانة بالمصادر المفتوحة سمحت بتنفيذ المشروعات ضمن الميزانيات المقررة وعلى نحو أسرع بنسبة 75% مُقارنةً مع شراء البرمجيات الخاصة. واعتبر أن المصادر المفتوحة تُتيح للحكومات الاستفادة من مجتمع واسع ومتنوع من المُطورين، الأمر الذي يُعزز الابتكار والتعاون ويُقلل التكاليف التي يتحملها دافعو الضرائب.

ولا يُدرك جميع مسؤولي القطاع العام الأهمية البالغة لتحسين الخدمات الرقمية والمواقع الحكومية. ويتطلب تحقيق هذه الغاية أكثر من سن تشريعات تُعزز الابتكار؛ إذ تحتاج إلى ضغوط تدفع الحكومات للارتقاء بأدائها، وستكون موجة كبيرة من مطالب المواطنين بالتحسين مصدرًا رئيسيًا للضغط.

وبحسب المقال فلا ينبغي أن يقبل المواطنون بمواقع حكومية بالغة السوء كأمرٍ واقع يستحيل تغييره؛ فتستطيع الحكومة إحداث التغيير، وسيتحقق بدافعٍ من المطالبات الجماعية، واتخذت بعض المؤسسات الحكومية خطوات جادة في طريق التغيير. (اقرأ أيضًا: ما الذي يُميّز أفضل المواقع الحكومية الأمريكية؟)

وفي ضوء متغيرات العصر الرقمي وضغوط السرعة يتعين على قادة القطاع الحكومي على المستويات الاتحادية والمحلية، والآن أكثر من أي وقتٍ مضى، توجيه التجارب الرقمية للتركيز على خدمة المواطنين في المقام الأول. وفي الوقت نفسه يتوجب على المواطنين متابعة الأداء الحكومي ورصد أي تردي في مستوى حصولهم على الخدمات والموارد، والقيام بخطوات في طريق التطوير.

وكتب كوكران أن باستطاعة المواطنين المساهمة في تغيير الحكومة من خلال المطالبة بخدمات أفضل، وهو حق يستند على تمويلهم المؤسسات الحكومية ومسؤولية تقع على عاتقهم بمساءلة الحكومة، ويتطلب أداؤها المشاركة المدنية والتواصل مع النواب المنتخبين ولفت أنظارهم إلى نماذج ناجحة من التحول الرقمي في القطاع العام.

واختتم بالقول أن دمج مواقع الإنترنت الحكومية في العصر الرقمي يعني إضفاء الطابع الإنساني على عمل الحكومة، ويُثمر في نهاية المطاف تحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، وهي رؤية للمستقبل ينبغي أن يطمح إليها جميع القادة، ويُطالب بها المواطنون كافة.

الصورة