تحليل البيانات الضخمة يكشف عن حجم مشكلة “مدن الأشباح” في الصين

تسبب الإفراط في التنمية الحضرية في الصين في ظهور مدن تزخر بالمنازل والعقارات الجديدة، لكنها قليلة السكان أو مهجورة تقريبًا تُعرف باسم “مدن الأشباح”. واستعانت دراسة حديثة لفريق من الباحثين في شركة “بايدو” الصينية بتحليلات البيانات الضخمة لدراسة مدى انتشار هذه المدن وحقيقتها.

وخلال الأعوام الأخيرة شهدت الصين طفرة في التنمية الحضرية يندر مثيلها في التاريخ البشري. وبين عاميّ 1984 و2010 تصاعد عدد الكيلومترات المربعة المُخصصة للمناطق الحضرية من 8800 إلى 41 ألف كيلو متر مربع، وفاق استخدام الصين من الخرسانة بين عاميّ 2011 و2013 ما استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية على مدار سنوات القرن العشرين.

وخلال طفرة البناء شُيدت الكثير من المباني والمدن في مواقع غير مناسبة، وانتهى الأمر بتجاوز المعروض من العقارات حجم الطلب حتى في أكثر بلدان العالم سكانًا، وأثمر ذلك عن ظاهرة تُعرف باسم “مدن الأشباح” حظيت باهتمامٍ الإعلامي، وتُشير إلى مناطق حضرية كاملة مهجورة تقريبًا.

لكن الكثير من التقارير التي تناولت “مدن الأشباح” اعتمدت على تقديرات شخصية وآراء دون أن تُبنى على معايير واقعية، ومثلًا قدر البعض عددها بحسب إحصاء عدد المنازل المُضاءة ليلًا في المناطق السكنية، وهي طريقة تفتقر إلى الدقة، على الأقل بسبب تجاهلها تأثير الإجازات الموسمية ومواسم السياحة، فمن المعتاد في الصين وغيرها من البلدان ازدحام بعض المدن والأحياء في المواسم السياحية وخلوها في بقية أوقات العام. ويمثل التمييز بين هذه المناطق و”مدن الأشباح” مشكلةً.

وظل التساؤل حول حجم قضية “مدن الأشباح” في الصين وانتشارها مثارًا للجدل، ما دفع فريقًا من الباحثين في “مختبر البيانات الضخمة” في شركة “بايدو” Baidu الصينية لتوظيف البيانات الضخمة لبحث هذه القضية. وتمتلك “بايدو” أكثر محركات البحث شعبيةً في الصين، وتُعد واحدةً من أكبر شركات الويب في العالم.

واستعان فريق الباحثين ببيانات الموقع الجغرافي التي تجمعها “بايدو” عن مستخدميها للتعرف بدقة على مواقع “مدن الأشباح” في الصين، ومن خلال تتبع المستخدمين على امتداد فترة زمنية، تمكن الفريق من تمييز “مدن الأشباح” عن غيرها من المدن التي يتفاوت تعدادها السكاني بحسب المواسم.

ويصل عدد مستخدمي “بايدو”، بخدماتها المتنوعة، إلى نحو سبعمائة مليون شخص، وهو عدد كبير مقارنةً مع سكان الصين الذي يبلغ نحو 1.36 مليار نسمة. لكن قاعدة مستخدمي “بايدو” لا تُعبر بطبيعة الحال عن عموم المجتمع الصيني؛ نظرًا لأن أغلبها ينتمي إلى فئات الشباب. ومع ذلك، يُقدم هذا العدد الضخم فكرة دقيقة إلى حدٍ كبير عن الكثافة الحضرية وتنوعها في المناطق والأوقات المختلفة.

وتابع فريق “بايدو” المستخدمين عبر ساعات اليوم على مدار أكثر من ستة أشهر في عاميّ 2014 و2015، واستخدموا خوارزمية التجميع المشترك لحساب مواقع المنازل، ومن ثم ربطوا هذه المواقع بمجموعة أخرى من البيانات عن المناطق السكنية المعروفة بهدف التوصل إلى أماكن السكن، وبعدها حسبوا الكثافة الحضرية بعدد الأشخاص الذين يعيشون في مساحة مائة متر مربع.

وتعتبر “وزارة الإسكان والتنمية الحضرية والريفية” الصينية أن المناطق الحضرية العادية تستوعب عشرة آلاف نسمة في كل كيلو متر مربع. وعرّف فريق الباحثين “مدن الأشباح” باعتبارها تضم نصف هذا العدد من السكان.

وبهدف تحديد مواقع “مدن الأشباح”، طور الباحثون خوارزمية تبحث عن المناطق التي تشهد كثافة سكانية تقل عن نصف المعيار المحدد، وتابعوا تغير كثافة السكان بمُضي الوقت ليروا ما إذا كانت تشهد ارتفاعًا في أوقات معينة من العام مثل المواسم السياحية.

وتوصل فريق “بايدو” إلى تحديد أكثر من خمسين من “مدن الأشباح” في الصين، كما تمكنوا من تحليل التوزيع المكاني وعلاقته بالجغرافيا والأوضاع الحضرية المُحيطة.

وضربت الدراسة مثالًا بمدينة روشان Rushan في مقاطعة شاندونج التي يمتد ساحلها على البحر الأصفر لمسافة نحو 33.7 كيلومتر، وشهدت توسعًا عمرانيًا كبيرًا، وتظل منازلها خاوية أغلب العام، لكن تشهد المدينة إقبالًا وازدحامًا كبيرين خلال موسم السياحة، وبالتالي تُصنف مدينة روشان ضمن المراكز السياحية وليس “مدن الأشباح”.

وفي المُقابل، تتميز مدينة كانجباشي Kangbashi في منطقة منغوليا الداخلية بدورة أسبوعية واضحة من التغير السكاني، بالإضافة إلى كثافة سكانية منخفضة جدًا، وهي علامة واضحة على انتماءها إلى “مدن الأشباح” في الصين.

وترجع أهمية الدراسة إلى قياسها الصحيح لظاهرة “مدن الأشباح”، وبحسب ما كتب الباحثون: “عوضًا عن اعتبار مجرد إحصاء عدد المنازل التي تنبعث منها الإضاءة ليلًا في مناطق سكنية معينة مؤشرًا على مدينة الأشباح، يُمكن للبيانات الضخمة في (بايدو) عد السكان بدقة في الوقت الحقيقي وعلى نطاقٍ وطني”.

ومن المفترض أن تُساعد مثل هذه البيانات الحكومة الصينية في اتخاذ قرارات أفضل بشأن التخطيط في المستقبل، كما تُوفر معلومات ضرورية للأشخاص الراغبين في الانتقال إلى هذه المناطق. وحرصت “بايدو” على تجنب تقييم “مدن الأشباح” في الدراسة؛ خوفًا من التأثير على أسعار العقارات فيها. وأتاح فريق البحث موقعًا تفاعليًا لبيانات الدراسة باللغة الصينية.

مصدر الصورة